نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥١ - الجواب
ترجيح المرجوح على الراجح، والحال، قبح هذا الأمر واضح للجميع، إلّاأنّ التعصب الأعمى يحول عادةً دون رؤية الواقع.
ثم قال عليه السلام: فإن تصدى مثل هذا الفرد، للأمر:
«فِإِنْ شَغَبَ [١] شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ [٢]، فَإِنْ
أَبَى قُوتِلَ»
. وقال القرآن بهذا الخصوص «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ...» [٣].
ثم خاض الإمام عليه السلام في الردّ على بعض المتخرصين، حيث انبرى البعض كمعاوية وعمرو بن العاص وطلحة والزبير وأمثالهم وصرّحوا بأنّ الخلافة والإمامة لمن تنتخبه عامة الأُمّة. وعليه، لا تكفي بيعة المدينة وأطرافها لعلي عليه السلام.
فقال عليه السلام:
«وَلَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَاتَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فَمَا إِلَى ذلِكَ سَبِيلٌ، وَلكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا»
. ثم واصل كلامه قائلًا:
«ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ»
. وأخيراً حذّرهم جميعاً بالقول:
«أَلَا وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ: رَجُلًا ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ»
. يبدو أنّ العبارة الأُولى تشير إلى معاوية الذي تخلف عن البيعة بذريعة المطالبة بدم عثمان، والحال، أن تتمّ المطالبة بدم عثمان من قبل أولياء الدم أو إمام المسلمين، ومن بايعه الناس أي، علي بن أبي طالب عليه السلام. والثانية إشارة إلى طلحة والزبير وأمثالهما الذين بايعوا ثم نكثوا البيعة بما فيهم معاوية والآخرون. وأمّا ما قيل: إنّ المراد، ادّعاء الخلافة من قبل معاوية والذي ليس له حقّ، فلا ينسجم مع التواريخ، لأنّ معاوية لم يدع الخلافة على عهد أميرالمؤمنين علي عليه السلام، بل ركّز على المطالبة بدم عثمان.
[١]. «شغب» من مادة (شغب) على وزن شرق، بمعنى إثارة الفتنة والشر والفساد
[٢]. «استعتب» من مادة (عتب) وعتاب بمعنى اللوم والتوبيخ بقصد الرجوع إلى الحق، وإن استعملت في باب الإستفعال أفادت معنى الإسترضاء
[٣]. سورة الحجرات، الآية ٩