نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠ - الشرح والتفسير حادثة مهمّة
بعبارات مختلفة تسلط الضوء على كل جوانب غناه عن الحدود فقال:
«لَا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ، وَلَا بِالْجَوَارِحِ وَالْادَوَاتِ»
. ليست له أعضاء كأعضاء الأنسان ولا يعتمد الوسائل والأدوات لتحقيق مايشاء، كما لا يحتاج الحركة والإنتقال من مكان إلى آخر، ذلك لأنّ كل هذه الأمور من علامات المحدودية ولا تعرف ذاته الطاهرة أية حدود وقيود، ومن هنا تعذر على سكان العالم المحدود المعروف بالنقص والحاجة، الوقوف على كنه تلك الذات المقدّسة، فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:
«كُلُّ ما مَيَّزْتُمُوهُ بِأَوهامِكُم فِي أَدْقِ مَعانِيهِ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مِثْلُكُم مَرْدُودٌ إِلَيكُم» [١].
ثم وضح ماقاله سابقاً:
«لَا يُقَالُ لَهُ: «مَتَى؟» وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ «بِحَتَّى». الظَّاهِرُ لَا يُقَالُ: «مِمَّ؟» وَالْبَاطِنُ لَايُقَالُ: «فِيمَ؟»»
وعلى هذا الضوء ليست له من بداية ولا نهاية، لا ظاهر كظهور الشمس والقمر، ولا باطن كالمعادن الخفية في باطن الأرض، وفي ذات الوقت فذاته أظهر من كل شيء وأخفى من كل شيء، بعبارة أخرى، فإنّ ظهوره ظهور ذاتي وخفاءَه من كنه ذاته.
ثم خاض عليه السلام بصورة أعمق ليقول:
«لَا شَبَحٌ [٢] فَيُتَقَصَّى [٣]، وَلَا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى [٤].
لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ»
. فقد نفى الإمام عليه السلام في هذه العبارات بادىء الأمر، الجسمية عن اللَّه، ذلك لأنّ الجسم إمّا ظاهر له حدّ وحدود أو مخفي ومحتجب في شيء آخر وله حدّ وحدود في كلا الحالتين، والحال ليس لواجب الوجود من حدود، كما يلاحظ في العبارتين الأخيرتين تجلي آخر لغنى الذات المقدّسة عن الحدود. فهو أقرب لكل شيء، لكن ليس بمعنى الإلتصاق أو الحلول والإتحاد، بل بمعنى الحضور في كل مكان والاحاطة بكل شيء، كما هو
[١]. بحار الأنوار، ج ٦٦، ص ٢٩٢
[٢]. «شبح» بمعنى الشخص، وتطلق أحياناً على الشخص الذي لا يبدو واضحاً من بعيد
[٣]. «يتقصى» من مادة (قصو) على وزن قصد، بمعنى الإبتعاد، وتعني أيضاً، البحث والتحري عن الشيء
[٤]. «يحوي» من مادة (حواية)، الاستيلاء على الشيء