نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - الشرح والتفسير انعطافة على المبدأ والمعاد
يدب فيها الضعف والعجز وتتخلى عن تلك السلطة مختارة أو مرغمة إلى الآخرين «فَإذا جَاءَ أَجَلُهُم لايَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ»، كما جرت العادة على أنّ يولد الفرد طفلًا ثم يصبح شاباً يافعاً وبالتالي يسير إلى الشيخوخة والهرم لينتظر أجله فيلتحق بقافلة الموتى ويتوسد التراب.
وما أن يفرغ الإمام عليه السلام من هذا الأمر حتى يسدى نصائحه ومواعظه
«فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ [١] حَدْوَالزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ»
. وبالنظر إلى أنّ الزاجر تطلق على من يسوق الجمال بسرعة، والشوال جمع شائلة التي تطلق على الجمال الخفيفة، أي التي مضت مدّة على وضعها لحملها وقد جفّ ثدياها وبالطبع لا يلتفت إليها الراعي، نستنتج أنّ الدهر يسوق الناس سراعاً إلى الفناء. فما أسرع الليالي والأيّام والسنوات والأشهر، إلى جانب الحوادث المفاجئة والأمراض وسائر الأمور التي تستهدف حياة الإنسان.
ثم يلفت عليه السلام الانتباه بعد ذلك التحذير إلى هذه الحقيقة:
«فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَارْتَبَكَ [٢] فِي الْهَلَكَاتِ، وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ،
وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّىءَ أَعْمَالِهِ»
. فكل إنسان ينطوي على بعض المناقص والمثالب ونقاط الضعف وليس له من سبيل سوى إصلاحها ليتدرج في المسيرة نحو الإنسان الكامل فيستحق قرب اللَّه وخلافته، أمّا من صوب نظره خارج ذاته وانهمك بسائر قضايا الناس كالمال والثروة والجاه فلا مناص أنّه سيعيش الحيرة والارباك، والأسوأ من ذلك أنّ الشياطين تتخطف هذا الإنسان الغافل فتسوقه إلى الطغيان وتزين له سوء أعماله حتى يراها من مواطن قوته فيفخر بها، ومن الطبيعي أنّ مثل هذا الإنسان لا سبيل لديه إلى النجاة. صرح القرآن بشأن مثل هذا الفرد: «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [٣].
[١]. «تحدو» من مادة (حدو) و (حدي)، سوق الابل، ومطلق السوق
[٢]. «ارتبك» من مادة (ربك) على وزن ربط، الاضطراب، بحيث يصعب على الإنسان النجاة
[٣]. سورة الانعام، الآية ١٢٢