نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٩ - الشرح والتفسير تقلب الدنيا
الشقوة الدائمة فقال:
«فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ. قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ، وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ [١]، وَحُثِثْتُمْ [٢] عَلَى الْمَسِيرِ»
. جدير ذكره أنّ المراد من الزاد: التقوى والعمل الصالح الذي أشار إليه القرآن: «وتَزودَوا فإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى» [٣]. والعبارة (أمرتم بالظعن ...) يمكن أن تكون إشارة إلى أمر تشريعي ورد في الآيات المرتبطة بفناء الدنيا وأنّ كل شخص سيذوق في خاتمة المطاف طعم الموت على ضوء الدلالة الالتزامية، كما يمكن أن يكون إشارة إلى أمر تكويني؛ لأنّ اللَّه خلق أسباب الحركة بحيث يسرع الطفل نحو الشباب والشباب إلى الكهولة وحث الخطى نحو دار البقاء، وقد أصدر أمره بحث الحركة نحو أسباب العفو والمغفرة: «وَسارِعوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» [٤]. كما ورد في الخطبة ٣١ من نهج البلاغة في وصية الإمام عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام
: «يابني من كانت مطيته الليل والنهار، فإنّه يسار به وإن كان واقفاً، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً».
ثم واصل كلامه بتشبيه بليغ فقال:
«فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ [٥] وُقُوفٍ، لَايَدْرُونَ مَتَى
يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ»
. لعل هنالك من يتساءل كيف التوفيق بين عبارة الإمام عليه السلام وقوله (أمرتم بالظعن) التي اردفها بالعبارة (لا يدرون متى يؤمرون بالسير)؟ وإنّ أدنى تأمل يفيد أنّ العبارة الأولى إشارة إلى الحركة في الدنيا نحو الكمال والمسارعة في أعداد عناصر العفو والمغفرة، أمّا العبارة الثانية فهي تشيرالحركة من الدنيا إلى الآخرة.
على كل حال فقد ورد هذا التشبيه في سائر مواضع نهج البلاغة ومنها الكلمات القصار حيث قال عليه السلام:
«أَهلُ الدُّنيا كَرَكْبٍ يُسارُ بِهِم وَهُم نِيامُ» [٦]
وهذا النوم هو الغفلة
[١]. «الفطن» بمعنى (الرحيل) من مكان إلى آخر
[٢]. «حثثتم» من مادة (حث) على وزن وصف، الاندفاع والسرعة
[٣]. سورة البقرة، الآية ١٩٧
[٤]. سورة آل عمران، الآية ١٣٣
[٥]. «ركب» جمع (راكب) تعني في الأصل، ركوب الدابة، إلّاأنّ معناها المتعارف، القافلة
[٦]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٦٤