نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٦ - الشرح والتفسير
عليكم الغارات وداهمكم العدو.
ثم قارن الإمام عليه السلام بينهم وبين أصحاب معاوية فقال:
«أَوَلَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ [١] الطَّغَامَ [٢] فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَلَا عَطَاءٍ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ- وَأَنْتُمْ
تَرِيكَةُ [٣] الْإِسْلَامِ، وَبَقِيَّةُ النَّاسِ- إِلَى الْمَعُونَةِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ، فَتَفَرَّقُونَ عَنِّي
وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ؟»
. فهنا سؤالان جديران بالاهتمام، الأول أنّ معاوية معروف في البذل والعطاء السياسي الهادف، فكيف يقول الإمام عليه السلام إنّ معاوية لا يقدم للأفراد معونة ولا عطاء؟ أجاب بعض شرّاح نهج البلاغة عن هذا السؤال بأنّه كانت لمعاوية مساومات سياسية مع زعماء القبائل وقادة الجيش فكان يغدق عليهم الأموال الطائلة دون الالتفات إلى الناس، أمّا الإمام علي عليه السلام فكان يقسّم أموال بيت المال بالتسوية على الناس بمنتهى العدل والقسط ويقدم التكاليف الحربية لجميع المقاتلين.
والثاني: لم عبّأ معاوية الناس بتلك الطريقة من توزيع الأموال، بينما لم يتعبّأ الناس لأمير المؤمنين عليه السلام رغم تعميمه العطاء والمعونة على أساس العدل؟ ولا تبدو الإجابة عن هذا السؤال صعبة، فإضافة إلى ضعف أهل الكوفة وغدرهم كان هناك وفاء أهل الشام وانصياع الأفراد لزعماء قبائلهم الذين كان يرشيهم معاوية بالأموال، ولكن زعماء القبائل كانوا يشعرون بعدم الرضا من تسوية الإمام عليه السلام بينهم بالعطاء، فلم يكونوا يعبئون أفراد قبيلتهم.
ثم ذم الإمام عليه السلام فرقتهم واختلافهم فقال:
«إِنَّهُ لَايَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضىً فَتَرْضَوْنَهُ، وَلَا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ».
ويبدو تفسير هذه العبارة واضحاً رغم اختلاف الشراح في تفسيرها فالامام عليه السلام
[١]. «الجفاة» جمع جافٍ، الشخص الغليظ والسيء الخلق، من مادة (جفاء)
[٢]. «الطغام» جمع طغامة، بمعنى، ضعاف الفكر وأراذل الناس
[٣]. «تريكة» من مادة (ترك) والمراد به، الشخص أو الشيء المتبقى، والمراد هنا المتبقون من شخصيات صدرالإسلام