الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٤ - المعلم الإلهي و الأفعال المنكرة!!
قوله في وصف أهل هذه المدينة: «كانوا أهل قرية لئام» [١].
ثمّ يضيف القرآن: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [٢] و قد كان موسى عليه السّلام يشعر بالتعب و الجوع، و الأهم من ذلك أنّه كان يشعر بأنّ كرامته و كرامة أستاذه قد أهينت من أهل هذه القرية التي أبت أن نضيفهما؛ و من جانب آخر شاهد كيف أنّ الخضر قام بترميم الجدار بالرغم من سلوك أهل القرية القبيح إزاءهما، و كأنّه بذلك أراد أن يجازي أهل القرية بفعالهم السيئة، و كان موسى يعتقد بأنّ على صاحبه أن يطالب بالأجر على هذا العمل حتى يستطيعا أن يعدّا طعاما لهما.
لذا فقد نسي موسى عليه السّلام عهده مرّة أخرى و بدأ بالاعتراض، إلّا أنّ اعتراضه هذه المرّة بدا خفيفا فقال: قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.
و في الواقع فإنّ موسى يعتقد بأنّ قيام الإنسان بالتضحية في سبيل أناس سيئين عمل مجاف لروح العدالة؛ بعبارة أخرى: إنّ الجميل جيّد و حسن، بشرط أن يكون في محلّه.
صحيح أنّ الجزاء الجميل في مقابل العمل القبيح هو من صفات الناس الإلهيين، إلّا أنّ ذلك ينبغي أن لا يكون سببا في دفع المسيئين للقيام بالمزيد من الأعمال السيئة.
و هنا قال الرجل العالم كلامه الأخير لموسى، بأنّك و من خلال حوادث مختلفة، لا تستطيع معي صبرا، لذلك قرّر العالم قراره الأخير: قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.
موسى عليه السّلام لم يعترض على القرار- طبعا- لأنّه هو الذي كان قد اقترحه عند
[١]- مجمع البيان في تفسير الآية.
[٢]- إنّ نسبة (الإرادة» إلى الجدار هو استخدام مجازي، و مفهوم ذلك أنّ الجدار كان ضعيفا للغاية و هو على مشارف الانهيار.