الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٦ - موسى و طلباته القيمة
تركزت كل الوسائل و المنظمات الإعلامية و الاقتصادية و السياسية في قبضتهم، فإذا ما أصلح هؤلاء، أو قلعت جذورهم عند عدم التمكن من إصلاحهم، فيمكن أن يؤمن خلاص و نجاة المجتمع، و إلّا فإنّ أي إصلاح يحدث فإنّه سطحي و مؤقت و زائل.
و الملفت للنظر أن دليل وجوب الابتداء بفرعون ذكر في جملة قصيرة: إِنَّهُ طَغى حيث جمع في كلمة (طغيان) كل شيء .. الطغيان و تجاوز الحدود في كل أبعاد الحياة، و لذلك يقال هؤلاء الأفراد: طاغوت.
و مضافا إلى أنّ موسى عليه السّلام لم يستوحش و لم يخف من هذه المهمّة الثقيلة الصعبة، و لم يطلب من اللّه أي تخفيف في هذه المهمة، فإنّه قد تقبلها بصدر رحب، غاية ما في الأمر أنّه طلب من اللّه أسباب النصر في هذه المهمة. و لما كان أهم و أول أسباب النصر الروح الكبيرة، و الفكر الوقاد، و العقل المقتدر، و بعبارة أخرى: رحابة الصدر، فقد قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي.
نعم إنّ أوّل رأسمال لقائد ثوري هو رحابة الصدر، و الصبر الطويل، و الصمود و الثبات، و الشهامة و تحمل المشاكل و المصاعب، و لذلك فإنّنا نقرأ
في حديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام: «آلة الرياسة سعة الصدر» [١].
و قد بحثنا الصدر و معناه في ذيل الآية (١٢٥) من سورة الأنعام.
و لما كان هذا الطريق مليئا بالمشاكل و المصاعب التي لا يمكن تجاوزها إلّا بلطف اللّه، فقد طلب موسى من اللّه في المرحلة الثّانية أن تيسر له أموره و أعماله، و أن تذلل هذه العقبات التي تعترضه، فقال: وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي.
ثمّ طلب موسى أن تكون له قدرة على البيان بأعلى المراتب فقال: وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي فصحيح أن امتلاك الصدر الرحب أهم الأمور و الأسس، إلّا أنّ بلورة هذا الأساس تتمّ إذا وجدت القدرة على إراءته و إظهاره بصورة كاملة،
[١]- نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة ١٧٦.