الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٠ - عصا موسى و اليد البيضاء
و سندها أيضا، و هكذا تلقّى موسى عليه السّلام في تلك الليلة المليئة بالذكريات و الحوادث معجزتين كبيرتين من اللّه، و يبيّن القرآن الكريم هذه الحادثة فيقول:
وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟
إنّ هذا السؤال البسيط المقترن باللطف و المحبة، إضافة إلى أنّه بثّ الطمانينة في نفس موسى عليه السّلام الذي كان غارقا حينئذ في دوامة من الاضطراب و الهيجان فإنّه كان مقدمة لحادثة مهمّة.
فأجاب موسى: قالَ هِيَ عَصايَ و لما كان راغبا في أن يستمر في حديثه مع محبوبه الذي فتح الباب بوجهه لأوّل مرّة، و ربّما كان يظن أيضا أن قوله: هِيَ عَصايَ غير كاف، فأراد أن يبيّن آثارها و فوائدها فأضاف: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُ [١] بِها عَلى غَنَمِي أي أضرب بها على أغصان الشجر فتتساقط أوراقها لتأكلها الأغنام وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ [٢] أُخْرى.
من المعلوم ما للعصا لأصحابها من فوائد، فهم يستعملونها أحيانا كسلاح للدفاع عن أنفسهم أمام الحيوانات المؤذية و الأعداء، و أحيانا يصنعون منها مظلة في الصحراء تقيهم حرّ الشمس، و أحيانا أخرى يربطون بها وعاء أو دلوا و يسحبون الماء من البئر العميق.
عل كل حال، فإنّ موسى غط في تفكير عميق: أي سؤال هذا في هذا المجلس العظيم، و أي جواب أعطيه؟ و ماذا كانت تلك الأوامر؟ و لماذا هذا السؤال؟
و فجأة قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى. «تسعى» من مادة السعي أي المشي السريع الذي لا يصل إلى الركض.
[١]- «أهش» من مادة هشّ- بفتح الهاء- أي ضرب أوراق الشجر و تساقطها.
[٢]- «مآرب» جمع مأربة، أي الحاجة و المقصد.