الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٨ - التّفسير
بنات اللّه [١].
عند ذلك قالت الآية بلهجة شديدة: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا و الإدّ- على وزن ضد- معناه في الأصل الصوت القبيح المضطرب الذي يصل الأذن نتيجة الاضطراب الشديد للأمواج الصوتية في حنجرة البعير، ثمّ أطلق على الأعمال القبيحة و الموحشة جدا.
و لما كانت مثل هذه النسبة غير الصحيحة مخالفة لأصل التوحيد- لأنّ اللّه سبحانه لا شبيه له و لا مثيل، و لا حاجة له إلى الولد، و لا هو جسم و لا تعرض عليه العوارض الجسمية- فكأنّ كل عالم الوجود، الذي بني على أساس التوحيد، قد اضطرب و تصدع إثر هذه النسبة الكاذبة، و لذلك تضيف الآية التالية:
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا! و من أجل تأكيد و بيان أهمية الموضوع فإنّها تقول: إن كل ذلك من أجل أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً.
إنّ هؤلاء- في الحقيقة- لم يعرفوا اللّه قط، لأنّه: وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً فإنّ الإنسان يطلب الولد لواحد من عدّة أشياء:
إمّا لأنّ عمره ينتهي فيحتاج لولد مثله يحمل صفاته ليبقى نسله و ذكره.
أو لأنّه يطلب الصديق و الرفيق لأنّ قوته محدودة.
أو لأنّه يستوحش من الوحدة، فيبحث عن مؤنس لوحدته.
أو لأنّه يحتاج عند كبره و عجزه إلى مساعد و معين شاب.
لكن أيّا من هذه المعاني لا ينطبق على اللّه سبحانه، و لا يصح، فلا قدرته محدودة، و لا حياته تنتهي، و لا يعتريه الضعف و الوهن، و لا يحس بالوحدة و الحاجة، إضافة إلى أن امتلاك الولد دليل على الجسمية، و وجود الزوجة، و كل
[١]- لقد تمّ الحديث عن «عزير» في الآية (٣٠) من سورة التوبة، و عن (الملائكة) في ذيل الآية (١٩) من سورة الزخرف.