الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٤ - هؤلاء أنبياء اللّه، و لكن
السابقة إلى حالاتهم و كثير من صفاتهم البارزة المعروفة.
ثمّ تكمل الآية هذا البحث بذكر الأتباع الحقيقيين لهؤلاء الأنبياء، فتقول:
وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا [١].
لقد اعتبر بعض المفسّرين جملة وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا .. بيانا آخر لنفس هؤلاء الأنبياء الذين أشير إليهم في بداية هذه الآية. إلّا أنّ ما قلنا أعلاه يبدو أنّه أقرب للصواب [٢]. و الشاهد على هذا الكلام
الحديث المروي عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السّلام، إذ قال أثناء تلاوة هذه الآية: «نحن عنينا بها» [٣].
و ليس المراد من هذه الجملة هو الحصر مطلقا، بل هي مصداق واضح لمتبعي و أولياء الأنبياء الواقعيين، و قد مرت بنا نماذج من مصاديق هذا البحث في التّفسير الأمثل هذا. إلّا أنّ عدم الالتفات إلى هذه الحقيقة سبب أن يقع بعض المفسّرين- كالآلوسي في روح المعاني- في خطأ حيث طعن في هذا الحديث، و عدّه دليلا على كون أحاديث الشيعة غير معتبرة! و هذه هي نتيجة عدم الإحاطة بالمفهوم الواقعي للروايات الواردة في تفسير الآيات.
و ممّا يستحق الانتباه أن الحديث في الآيات السابقة كان عن مريم، في حين أنّها لم تكن من الأنبياء، بل كانت داخلة في جملة مِمَّنْ هَدَيْنا و تعتبر من مصاديقها، و لها في كل زمان و مكان مصداق أو مصاديق، و من هنا نرى أن الآية (٦٩) من سورة النساء لم تحصر المشمولين بنعم اللّه بالأنبياء، بل أضافت إليهم الصديقين و الشهداء: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ و كذلك عبرت الآية (٧٥) من سورة المائدة عن مريم أم عيسى بالصديقة، فقالت: وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ.
[١]- سجد جمع ساجد، و بكي جمع باك.
[٢]- لأنّها إذا كانت إشارة للأنبياء السابقين، فإنّها لا تناسب الفعل المضارع (تتلى) الذي يتعلق بالمستقبل، إلّا أن نقدر جملة (كانوا) و أمثالها، و هي خلاف الظاهر أيضا.
[٣]- مجمع البيان، ذيل الآية مورد البحث.