الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦١ - نتيجة البعد عن الشرك و المشركين
الملفت للنظر، أنّ آزر لم يكن راغبا حتى في أن يجري إنكار الأصنام أو مخالفتها و تحقيرها على لسانه، بل إنّه قال: أ راغب أنت عن هذه الآلهة؟ حتى لا تهان الأصنام! هذا أولا.
ثانيا: إنّه عند ما هدد إبراهيم، هدده بالرجم، ذلك التهديد المؤكّد الذي يستفاد من لام و نون التوكيد الثقيلة في «لأرجمنّك» و من المعلوم أن الرجم من أشد و أسوء أنواع القتل.
ثالثا: إنّه لم يكتف بهذا التهديد المشروط، بل إنّه اعتبر إبراهيم في تلك الحال وجودا لا يحتمل، و قال له اهْجُرْنِي مَلِيًّا أي ابتعد عني دائما، و إلى الأبد (كلمة «مليا»- حسب قول الراغب في المفردات- أخذت من مادة الإملاء، أي الإمهال الطويل، و هي تعني هنا أن ابتعد عني لمدّة طويلة، أو على الدوام).
و هذا التعبير المحقّر جدّا لا يستعمله إلّا الأشخاص الأجلاف و القساة ضد مخالفيهم.
بعض المفسّرين لا يرى أن جملة «لأرجمنّك» تعني الرمي بالحجارة، بل اعتقد أنّها تعني تشويه السمعة و الاتهام، إلّا أن هذا التّفسير يبدو بعيدا، و ملاحظة سائر آيات القرآن- التي وردت بهذا التعبير- شاهد على ما قلناه.
لكن، و رغم كل ذلك، فقد سيطر إبراهيم على أعصابه، كبقية الأنبياء و القادة الإلهيين، و مقابل هذه الغلظة و الحدّة وقف بكل سمو و عظمة، و قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ.
إنّ هذا السلام يمكن أن يكون سلام التوديع، و أن إبراهيم بقوله: سَلامٌ عَلَيْكَ و ما يأتي بعده من كلام يقصد ترك آزر. و يمكن أن يكون سلاما يقال لفض النزاع، كما نقرأ ذلك في الآية (٥٥) من سورة القصص: لَنا أَعْمالُنا وَ لَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ.
ثمّ أضاف: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا. إن إبراهيم في الواقع قابل