الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٣ - ولادة عيسى عليه السّلام
و إن كان الوصول إلى مقام النّبوة و بلوغ العقل الكامل- في مرحلة الطفولة- باعثا على الحيرة و معجزا، فإنّ التحدث في المهد عن الكتاب و النّبوة أبعث على التعجب و الحيرة، و أكثر إعجازا.
و على كل حال، فإنّ كلا الأمرين آيتان على قدرة اللّه الكبير المتعال، إحداهما أكبر من الأخرى، و قد صادف أن تكون كلا الآيتين مرتبطتان بشخصين تربطهما أواصر نسب قوية، فكل منهما قريب للآخر من ناحية النسب، حيث أن أم يحيى كانت أخت أم مريم، و كانت كلاهما عقيمتين و تعيشان أمل الولد الصالح.
تقول الآية الأولى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا فقد كانت تبحث عن مكان خال من كل نوع من التشويش و الضوضاء حتى لا يشغلها شيء عن مناجاتها و يصرفها- و لو حينا- عن ذكر المحبوب، و لذلك اختارت شرقي بيت المقدس، ذلك المعبد الكبير، لعله يكون مكانا أكثر هدوءا، أو أنّه كان أنظف و أنسب من جهة أشعة الشمس و نورها.
كلمة «انتبذت» أخذت من مادة (نبذ) على قول الراغب، و هي تعني إلقاء و إبعاد الأشياء التي لا تسترعي الانتباه، و ربّما كان هذا التعبير في الآية إشارة إلى أنّ مريم قد اعتزلت بصورة متواضعة و مجهولة و خالية من كل ما يجلب الانتباه، و اختارت ذلك المكان من بيت اللّه للعبادة.
في هذه الأثناء من أجل أن تكمل مريم مكان خلوتها و اعتكافها من كل جهة، فإنّها فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً و لم تصرح الآية بالهدف من اتّخاذ هذا الحجاب، فهل أنّه كان من أجل أن تناجي ربّها بحرية أكبر، و تستطيع عند خلو هذا المكان من كل ما يشغل القلب و الحواس أن تتوجه إلى العبادة و الدعاء؟ أو أنّها كانت تريد اتخاذه من أجل الغسل و الاغتسال؟ الآية ساكتة من هذه الجهة.
على كل حال، فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا و الروح أحد