الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٦ - ١- المراد من الإرث
في القرآن مرارا في الإرث المعنوي، كالآية (٣٢) من سورة فاطر، و الآية (٥٣) من سورة المؤمن. إضافة إلى أنّنا لو فرضنا أنّها خلاف الظاهر، فإنّ هذا الإشكال سيزول بوجود القرائن.
إلّا أنّ أنصار الرأي الأوّل يستطيعون أن يناقشوا هذه الاستدلالات، بأنّ ما كان يشغل فكر زكريا- نبي اللّه الكبير- هي مسألة الأموال، و لم تكن تشغله كمسألة شخصية، بل باعتبارها مصدرا لفساد أو صلاح المجتمع؛ لأنّ بني إسرائيل- و كما قيل أعلاه- كانوا يأتون بالهدايا و النذور الكثيرة إلى الأحبار فكانت تودع عند زكريا، و ربما كانت هناك أموالا متبقية من قبل زوجته التي كانت من أسرة سليمان، و من البديهي أن وجود شخص غير صالح يتولى هذه الأموال قد يؤدي إلى مفاسد عظيمة، و هذا هو الذي كان يقلق زكريا.
و أمّا الصفات المعنوية التي ذكرت ليحيى في هذه الآيات و الآيات الأخرى، فإنّها تؤيد ما ذكرنا، و تنسجم معه، لأنّه أراد أن تقع هذه الثروة العظيمة بيد رجل صالح يستفيد منها في سبيل المجتمع.
إلّا أنّنا نعتقد بأنا إذا توصلنا من مجموع المباحث أعلاه إلى هذه النتيجة، و هي أن للإرث هنا مفهوما و معنى واسعا يشمل إرث الأموال كما يشمل إرث المقامات المعنوية، فسوف لا يكون هناك مورد خلاف، لأنّ لكل رأي قرائنه، و إذ لاحظنا الآيات السابقة و اللاحقة و مجموع الرّوايات، فإنّ هذا التّفسير يبدو أقرب للصواب.
أمّا جملة إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي فإنّها مناسبة لكلا المعنيين، لأنّ الأشخاص الفاسدين إذ تولوا أمر هذه الأموال، فإنّهم سيكونون مصدر قلق حقا، و إذا وقعت زمام الأمور و قيادة الناس المعنوية بيد أناس منحرفين، فإنّ ذلك أيضا يثير المخاوف، و على هذا فإنّ خوف زكريا يمكن توجيهه في كلا الصورتين.
و حديث فاطمة الزهراء عليها السّلام يناسب هذا المعنى أيضا.