الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٧ - أخسر الناس
فالآيات تكشف أوّلا عن أخسر الناس، و لكنّها- بهدف إثارة حب الاستطلاع لدى المستمع إزاء هذه القضية- تعمد إلى إثارتها على شكل سؤال موّجه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فتقول: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا.
ثمّ يأتي الجواب بدون أي توقف حتى لا يبقى المستمع في حيرة، فتقول:
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
مفهوم الخسران لا ينطبق على خسران الأرباح و حسب، بل إنّ الخسران الواقعي هو خسران أصل رأس المال، و هل هناك رأس مال أربح و أفضل و أحسن من العقل و الذكاء و الطاقات الإلهية الموهوبة للإنسان من عمر و شباب و صحة؟
إنّ نتاج كل هذه المواهب هي أعمال الإنسان، و أعمال الإنسان هي في الواقع انعكاس و تجسيد لطاقاتنا و قدراتنا.
عند ما تتحوّل هذه الطاقات إلى أعمال مخرّبة أو غير هادفة، فكأنّها قد فنيت أو ضاعت، فهي كمثل الإنسان الذي يحمل ثروة عظيمة معه، و لكنّه أثناء ذهابه إلى السوق يفقد هذه الثروة و يعود بيد خالية.
و قد لا يكون الخسران خسرانا خطيرا عند ما يتعلّم الإنسان من فقدان الثروة دروسا كبيرة قد تكون في قيمتها مساويه للثروة التي فقدها، أو أكثر قيمة منها في بعض الأحيان، فكأنّه لم يخسر شيئا.
إلّا أنّ الخسران الحقيقي و المضاعف هو أن يفقد الإنسان رأسماله المادي و المعنوي في مسالك خاطئة و مجالات منحرفة و يظن أنّه أحسن العمل، فهو في هذه الحالة لم يحصل على ثمرة لعمله، و في نفس الوقت لم يلتفت إلى ما هو فيه، فيكرّر العمل.
الجميل هنا، إنّ القرآن الكريم استخدم تعبير بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا في حين أنّ المفروض هو القول: «الأخسرين عملا» (لأنّ التمييز مفرد عادة) و لكن لعل