الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٧ - الأسرار الداخلية لهذه الحوادث
الثلاثة العجيبة، و التي يمكن أن تكون مفتاحا للعديد من المسائل، و جوابا لكثير من الأسئلة.
ففي البداية ذكر قصّة السفينة و قال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً.
و بهذا الترتيب كان ثمّة هدف خيّر وراء ثقب السفينة الذي بدأ في حينه عملا مشينا سيئا، و الهدف هو نجاتهم من قبضة ملك غاصب، و كان هذا الملك يترك السفينة المعيبة و يصرف النظر عنها. إذا خلاصة المقصود في الحادثة الأولى هو حفظ مصالح مجموعة من المساكين.
كلمة «وراء» لا تعني هنا الجانب المكاني، و إنّما هي كناية عن الخطر المحيط بهم (خطر الملك) بدون أن يعلموا به، و بما أنّ الإنسان لا يحيط بالحوادث التي سوف تصيبه لاحقا، لذا استخدمت الآية التعبير الآنف الذكر.
إضافة إلى ذلك فإنّ الإنسان عند ما يخضع لضغط فرد أو مجموعة فإنّه يستخدم تعبير (وراء) كقوله مثلا: الدّيانون ورائي و لا يتركوني؛ و في الآية (١٦) من سورة إبراهيم نقرأ قوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ و كأنّ جهنّم تلاحق و تتبع المذنبين، لذا فقد استخدمت كلمة وراء [١].
و يفيد استخدام كلمة (مسكين) أنّ «المسكين» ليس هو الشخص الذي لا يملك شيئا مطلقا، بل هي وصف يطلق على الأشخاص الذين يملكون أموالا و ثروة لكنّها لا تفي بحاجاتهم.
و يحتمل أيضا أن يكون السبب في إطلاق وصف (المساكين) عليهم ليس بسبب الفقر المالي، بل بسبب افتقارهم للقوّة و القدرة، و هذا التعبير يستخدم في لغة العرب، كما و أنّه يتلاءم مع الجذور الأصلية لمعنى مسكين لغويا، و الذي يعني السكون و الضعف.
[١]- في معنى (وراء) يمكن مراجعة البحث الوارد في ذيل الآية (١٦) من سورة إبراهيم في تفسيرنا هذا.