الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٧ - رؤية المعلم الكبير
أن يكون عبدا حقيقيا للخالق جلّ و علا، و إنّ مقام العبودية هذا يكون سببا في شمول الإنسان بالرحمة الإلهية، و فتح أبواب المعرفة و العلم في قلبه.
كما أنّ استخدام عبارة مِنْ لَدُنَّا تبيّن أنّ علم ذلك العالم لم يكن علما عاديا، بل كان يعرف جزءا من أسرار هذا العالم، و أسرار الحوادث التي لا يعلمها سوى اللّه تعالى.
أمّا استخدام (علما) بصيغة النكرة فهو للتعظيم، و يتبيّن من ذلك أنّ ذلك الرجل العالم قد حصل من علمه على فوائد عظيمة.
أمّا ما هو المقصود من عبارة رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا فقد ذكر المفسّرون تفاسير مختلفة، فقال بعضهم: إنّها إشارة إلى مقام النبوة، و البعض الآخر اعتبرها إشارة للعمر الطويل. و لكن يحتمل أن يكون المقصود هو الاستعداد الكبير و الروح الواسعة، وسعة الصدر التي وهبها اللّه تعالى لهذا الرجل كي يكون قادرا على استقبال العلم الإلهي.
أمّا ما ذكر من أنّ هذا الرجل اسمه (الخضر) و فيما إذا كان نبيّا أم لا، فسوف نبحث كل ذلك في البحوث القادمة.
في هذه الأثناء قال موسى للرجل العالم باستفهام و بأدب كبير: قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً.
و نستفيد من عبارة «رشدا» أنّ العلم ليس هدفا، بل هو وسيلة للعثور على طريق الخير و الهداية و الصلاح، و أنّ هذا العلم يجب أن يتعلّم، و أن يفتخر به.
في معرض الجواب نرى أنّ الرجل العالم مع كامل العجب لموسى عليه السّلام قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً.
ثمّ بيّن سبب ذلك مباشرة و قال: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً.
و كما سنرى فيما بعد، فإنّ هذا الرجل العالم كان يحيط بأبواب من العلوم التي تخص أسرار و بواطن الأحداث، في حين أنّ موسى عليه السّلام لم يكن مأمورا