الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٦ - تجسيد لموقف المستكبرين من المستضعفين
يعتبر كل واحد منهم نموذجا لإحدى المجموعتين، و يوضحان طريقة تفكير و قول و عمل هاتين المجموعتين.
في البداية تخاطب الآيات الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتقول: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً.
البستان و المزرعة كان فيهما كل شيء: العنب و التمر و الحنطة و باقي الحبوب، لقد كانت مزرعة كاملة و مكفية من كل شيء: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً.
و الأهم من ذلك هو توفّر الماء الذي يعتبر سر الحياة، و أمرا مهمّا لا غنى للبستان و المزرعة عنه، و قد كان الماء بقدر كاف: وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً.
على هذا الأساس كانت لصاحب البستان كل أنواع الثمار: وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ.
و لأنّ الدنيا قد استهوته فقد أصيب بالغرور لضعف شخصيته و رأي أن الإحساس العميق بالأفضلية و التعالي على الآخرين، حيث التفت و هو بهذه الحالة إلى صاحبه: فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً.
بناء على هذا فأنا أملك قوّة إنسانية كبيرة و عندي مال و ثروة، و أنا أملك- أيضا- نفوذا و موقعا اجتماعيا، أمّا أنت (و الخطاب لصاحبه) فما ذا تستطيع أن تقول، و هل لديك ما تتكلم عنه؟! لقد تضخّم هذا الإحساس و نما تدريجيا- كما هو حاله- و وصل صاحب البستان إلى حالة بدأ يظن معها أنّ هذه الثروة و المال و الجاه و النفوذ إنّما هي أمور أبديّة، فدخل بغرور إلى بستانه (في حين أنّه لا يعلم بأنّه يظلم نفسه) و نظر إلى أشجاره الخضراء التي كادت أغصانها أن تنحني من شدّة ثقل الثمر، و سمع صوت الماء الذي يجري في النهر القريب من البستان و الذي كان يسقي أشجاره، و بغفلة قال: لا أظن أن يفنى هذا البستان، و بلسان الآية و تصوير القرآن الكريم:
وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً.