الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٧ - الحفاة الأطهار!
وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [١].
الطريف هنا أنّ القرآن وضع هاتين المجموعتين في مقابل بعضهما من حيث الصفات، و كان الأمر كما يلي:
مؤمنون حقيقيون إلّا أنّهم فقراء، و لهم قلوب مملوءة بحبّ اللّه، يذكرونه باستمرار و يسعون إليه.
الأغنياء المستكبرون الغافلون عن ذكر اللّه، و الذين لا يتبعون سوى هواهم، و خارجون عن حدّ الاعتدال في كل أمورهم و يفرطون و يسرفون.
إنّ الموضوع- أعلاه- من الأهمية بمكان، بحيث أنّ القرآن يقول للرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- بصراحة- في الآية التي بعدها: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.
و لكن اعلموا أنّ هؤلاء عباد الدنيا الذين يسخرون من الألبسة الخشنة التي يرتديها أمثال سلمان و أبي ذر خاصّة، و الذين يعيشون حياة مرفهة باذخة و مليئة بالزينة، ستنتهي عاقبهم إلى سوء و ظلام و عذاب: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها.
نعم، إنّهم كانوا اعطشوا في هذه الدّنيا كان الخدم يجلبون لهم أنواع المشروبات، و لكنّهم عند ما يطلبون الماء في جهنّم يؤتي إليهم بماء كالمهل: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [٢].
بِئْسَ الشَّرابُ.
ثمّ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً [٣].
[١]- «فرط» تعني التجاوز عن الحد، و كل شيء يخرج عن حدّه و يتحول إلى إسراف يقال له (فرط).
[٢]- «مهل» على وزن «قفل» و هي تعني كما يقول الراغب في المفردات: هي المقدار المترسب من الدهن و الذي يكون عادة ملوثا بأشياء وسخة و رديئة الطعم، إلّا أنّ بعضا آخر من المفسّرين يقولون بأنّها تعني أي معدن مذاب.
و الظاهر أنّ تعبير (يشوي الوجوه) يرجّح المعنى الثّاني.
[٣]- «مرتفق» من كلمة «رفق و رفيق» بمعنى محل اجتماع الأصدقاء.