الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - نوم أصحاب الكهف
وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً [١].
و وفقا للآية فإنّ مجموع نومهم و بقائهم في الكهف هو (٣٠٩) سنة. و البعض يرى أن ذكر ثلاثمائة و تسعة مفصولة بدلا عن ذكرها في جملة واحدة، يعود إلى الفرق بين السنين الشمسية و السنين القمرية حيث أنّهم ناموا (٣٠٠) سنة شمسية، و بالقمري تعادل (٣٠٩). و هذا من لطائف التعبير حيث أوجز القرآن بعبارة واحدة صغيرة، حقيقة كبيرة تحتاج إلى شرح واسع [٢].
و من أجل وضع حد لأقاويل الناس حول مكثهم في الكهف تؤكّد الآية: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لماذا؟ لأن: لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.
و الذي يعرف خفايا و ظواهر عالم الوجود و يحيط بها جميعا، كيف لا يعرف مدّة بقاء أصحاب الكهف: أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ [٣] و لهذا السبب فإنّ سكان السماوات و الأرض: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ.
أمّا من هو المقصود بالضمير (هم) في (مالهم) فقد ذكر المفسّرون أقوالا كثيرة، إذا يعتقد البعض أنّها اشارة إلى سكان السماوات و الأرض، أمّا البعض الآخر فيعتقد أن الضمير إشارة إلى أصحاب الكهف، بمعنى أنّ أصحاب الكهف لا يملكون وليا من دون اللّه، فهو الذي تولاهم في حادثة الكهف، و قام بحمايتهم.
و لكن بالنظر إلى الجملة التي قبلها، يكون التّفسير الأوّل أقرب.
و في نهاية الآية يأتي قوله تعالى: وَ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً. هذا الكلام هو في الحقيقة تأكيد على الولاية المطلقة للخالق جلّ و علا، إذ ليس هناك قدرة
[١]- طبقا للقواعد النحوية يجب أن تأتي كلمة (سنة) و التي هي مفرد بدلا من (سنين) التي هي جمع، و لكن بما أن النوم كان طويلا للغاية، و عدد السنوات كثيرا، لذا ذكرت الكلمة بصيغة الجمع حتى توضّح الموضوع و تبيّن كثرته.
[٢]- الفرق بين السنة الشمسية و القمرية هو (١١) يوم تقريبا، فإذا ضربنا ذلك (٣٠٠) و قسمنا الناتج على عدد أيّام السنة القمريّة أي على (٣٥٤) يكون العدد (٩) طبعا يبقى باق قليل، أهمل لأنّه لا يصل إلى السنة الكاملة.
[٣]- جملة أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ هي صيغة تعجّب، تبيّن لنا عظمة علم الخالق جلّ و علا، و المعنى أنّه بصير سميع بحيث أنّ الإنسان يعجب من ذلك.