الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٩ - العالم ساحة اختبار
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ.
الآية التي بعدها تجسّد وضع هذا العالم و تكشف عن أنّه ساحة للاختبار و التمحيص و البلاء، و توضح الخط الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها.
لقد ملأنا العالم بأنواع الزينة، بحيث أنّ كلّ جانب فيه يذهب بالقلب، و يحيّر الأبصار، و يشير الدوافع الداخلية في الإنسان، كيما يتسنى امتحانه في ظل هذه الإحساسات و المشاعر و وسط أنواع الزينة و أشكالها، لتظهر قدرته الإيمانية، و مؤهلاته المعنوية.
لذلك تضيف الآية مباشرة قوله تعالى: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
أراد بعض المفسّرين حصر معنى ما عَلَى الْأَرْضِ بالعلماء أو بالرجال فقط، و يقولوا: إنّ هؤلاء هم زينة الأرض، في حين أنّ لهذه الكلمة مفهوما واسعا يشمل كل الموجودات على الكرة الأرضية.
و الظّريف هنا استخدام الآية لتعبير أَحْسَنُ عَمَلًا و ليس (أكثر عملا) و هي إشارة إلى أنّ حسن العمل و كيفيته العالية هما اللذان يحدّدان قيمته عند ربّ العالمين، و ليس كثرة العمل أو كميته.
على أي حال فإنّ هنا إنذار لكل الناس، لكل المسلمين كي لا ينخدعوا في ساحة الاختبار بزينة الحياة الدنيا، و بدلا من ذلك عليهم أن يفكروا بتحسين أعمالهم.
ثمّ يبيّن تعالى أنّ أشياء الحياة الدنيا ليست ثابتة و لا دائمة، بل مصيرها إلى المحو و الزوال: وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.
«صعيد» مشتقّة من «صعود» و هي هنا تعني وجه الأرض، الوجه الذي يتّضح فيه التراب.