الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٤٢ - فالصحيحة الأولى
الثالث:
ما أفاده شيخنا الأستاذ قدّس سرّه من أنّ استصحاب عدم جعل النجاسة أو عدم
جعل الوجوب فيما بعد الزوال ليس له أثر، فإنّ عدم الجعل كالجعل لا يترتّب
عليه أثر ما لم يصر المجعول فعليّا في حقّ المكلّف، مثلا: جعل الحجّ على
المستطيع أو عدم جعله عليه لا يترتّب عليه أثر-و هو لزوم التحرّك عن هذا
التحريك عقلا، أو جواز ترك الحجّ-ما لم يصر هذا التكليف فعليّا بأن وجد
جميع شرائطه التي منها الاستطاعة، فاستصحاب عدم الجعل بنفسه ليس له أثر،
وإجراؤه لإثبات عدم المجعول الّذي له أثر يكون من الأصل المثبت الّذي لا
نقول به[١].
و هذا الّذي أفاده غير تامّ، لما ذكرنا في بحث البراءة من أنّ نسبة استصحاب
عدم المجعول إلى استصحاب عدم الجعل ليست من نسبة اللوازم العقليّة إلى
ملزوماتها، إذ ليس هناك وجودان حتى يكون أحدهما لازما للآخر، بل هناك وجود
واحد، وهو استصحاب عدم اعتبار الشارع، وعدم جعله للنجاسة، والأثر
العقلي-الّذي هو الترخيص في الاستعمال وعدم لزوم الاجتناب-إنّما يترتّب على
نفس عدم الجعل، بمعنى عدم اعتبار الشارع نجاسة الماء المتغيّر، بعد زوال
تغيّره.
بيان ذلك أنّ الاعتبار نظير التصوّر، فكما يمكن أن نتصوّر الموجود بالفعل
ونحكم عليه بشيء، ونتصوّر أيضا أمرا متأخّرا، ونحكم عليه بشيء، فنقول:
قيام زيد غدا حسن، كذلك يمكن اعتبار أمر بالفعل بحيث يكون زمان واحد ظرفا
للاعتبار والمعتبر معا، واعتبار أمر متأخّر، فعلا بحيث يكون ظرف الاعتبار
متقدّما على ظرف المعتبر، والأوّل نظير اعتبار ملكيّة عين من الأعيان
[١]أجود التقريرات ٢: ٤٠٤-٤٠٦.