الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٤٠ - فالصحيحة الأولى
آتاها»[١]و ما يظهر من رواية عكاشة[٢]-المذكورة
في قاعدة الميسور-عند السؤال عن تكرار الحجّ من أنّ الهلاك بكثرة السؤال،
وأنّ المكلّف لا بدّ أن يأتمر بأمر الشارع وينتهي عن نهيه دون أن يسأل عمّا
لم يأمر به ولم ينه عنه- هو: أنّ الأشياء في أوّل الشريعة كانت مباحة
ومرخّصا فيها وإنّما جعلت الأحكام الإلزاميّة تدريجا وشيئا فشيئا، فكلّ حكم
إلزامي كان مسبوقا بالإباحة فالنجاسة أيضا كانت مسبوقة بالطهارة، فاستصحاب
عدم جعل النجاسة ليس له معارض في مرتبته.
و ثانيا: أنّ استصحاب عدم جعل الطهارة لو سلّم جريانه، فلا مانع من استصحاب
عدم جعل النجاسة أيضا، إذ لا تلزم من إجراء الاستصحابين مخالفة عمليّة،
ولا من التعبّد بهما التعبّد بالمتناقضين أو الضدّين، وسيجيء-إن شاء اللّه
في آخر الاستصحاب-أنّ التمانع بين الاستصحابين ليس إلاّ من جهة المخالفة
العمليّة أو التعبّد بالضدّين أو المتناقضين، كما في استصحاب طهارة كلا
المائعين اللذين يعلم بنجاسة أحدهما لملاقاته البول مثلا، فإنّه تلزم منه
مخالفة عمليّة، وكاستصحاب النجاسة والطهارة فيما إذا عرضت له الحالتان
واشتبهت المتقدّمة منهما بالمتأخّرة، فإنّ التعبّد بهما تعبّد بالضدّين،
وأمّا إذا لم يلزم شيء من ذلك، كاستصحاب نجاسة المائعين النجسين اللذين
علم بإصابة المطر لأحدهما إجمالا، فلا محذور في إجراء استصحاب النجاسة في
كليهما، والمقام من هذا القبيل.
و ثالثا: لو سلّمنا التعارض، فاستصحاب عدم جعل النجاسة إنّما يعارض كلا الاستصحابين، وهما: استصحاب عدم جعل الطهارة،
[١]الكافي ٤: ٥٦-٨، الوسائل ٢١: ٥٥٦، الباب ٢٨ من أبواب النفقات، الحديث ٣.
[٢]انظر مجمع البيان ٣-٤: ٣٨٦، والدرّ المنثور-للسيوطي-٣: ٢٠٦.