الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٢١١ - فهاهنا مقامان
و إن لم
يكن بمدلوله اللفظي ناظرا إلى الآخر، فإن لم يكن أحدهما رافعا لموضوع
الآخر، فإن كان أحدهما فقط رافعا لحكم الآخر عن موضوعه كـ«أكرم
العلماء»و«لا تكرم الفسّاق منهم»فهو مورد التخصيص. وإن كان كلّ منهما رافعا
للحكم عن موضوع الآخر، كالعامّين من وجه، فتقديم أحدهما أيضا لمرجّح على
الآخر من باب التخصيص.
و إن كان أحدهما رافعا لموضوع الآخر، فإن كان الرفع مستندا إلى نفس التعبّد
والجعل دون متعلّق التعبّد وإن لا ينفكّ التعبّد عن متعلّق وعمّا يتعبّد
به، فهو مورد الورود، كما في تقدّم الأمارات على الأصول العقليّة من
البراءة والاحتياط والتخيير على القول بالتخيير العقلي، فإنّ موضوع البراءة
العقليّة -مثلا-هو عدم البيان، فبنفس التعبّد بالأمارة-الّذي هو بيان من
الشارع وثابت لنا وجدانا، ضرورة أنّه نظير الفرض والتنزيل الّذي يكون
متعلّقه من المفروض أو المنزّل عليه فرضيّا وتنزيليّا لا نفس الفرض
والتنزيل، فإنّه وجداني-يرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان وينقلب عدم
البيان إلى البيان الوجداني.
و إن كان الرفع مستندا إلى ثبوت المتعبّد به لا ثبوت التعبّد، فهو مورد
الحكومة، أي قسم منها غير ما ذكرنا أوّلا، وهذا كما في تقدّم أدلّة
الأمارات على جميع الأصول الشرعيّة، فإنّ الشكّ أخذ في موضوع الأصول دون
الأمارات، ولا يرتفع الشكّ عند قيام الأمارة في مورد أصل إلاّ بثبوت
المشكوك بالتعبّد بالأمارة وأنّها علم تشريعا، وأمّا بمجرّد نفس التعبّد
بالأمارة-مع قطع النّظر عن متعلّقه وما يتعبّد به وهو كون الأمارة فردا من
العلم-لا يرتفع الشكّ كما هو واضح.
فاتّضح من جميع ما ذكرنا أنّ تقدّم الأمارات على الأصول بعينه من قبيل تقدّم«لا شكّ لكثير الشكّ»-مثلا-على أدلّة الشكوك.