الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٢١٢ - فهاهنا مقامان
و
نزيد-توضيحا-أنّه لا يمكن أن يكون حكم متكفّلا لإثبات موضوعه أو نفيه بل لا
بدّ من أن يثبت وينفى من الخارج أو بدليل آخر غير الدليل المتكفّل لنفس
هذا الحكم، فدليل«من شكّ بين الثلاث والأربع فكذا»لا يتعرّض إلاّ لحكم
الشاكّ، بين الثلاث والأربع، كما أنّ أدلّة الأصول أيضا لا تتعرّض إلاّ
لبيان وظيفة الشاكّ، فإن دلّ دليل آخر على أن لا شكّ لكثير الشكّ، أو أنّ
خبر العادل علم، فقد خرج عن تحت أدلّة الشكوك كثير الشكّ، وعن تحت أدلّة
الأصول من أخبره العادل على طبق مقتضى الأصل أو خلافه بالتعبّد الشرعي،
يعني بما تعبّد به الشارع من عدم كون كثير الشكّ شاكّا، وعدم كون من أخبره
العادل شاكّا، وهذا معنى الحكومة.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ تقدّم الأدلّة القطعيّة على جميع الأصول-عقليّة أو
شرعيّة-بالتخصّص، وتقدّم الأمارات التعبّديّة على الأصول العقليّة بالورود،
وعلى الأصول الشرعيّة بالحكومة لا بالورود ولا غيره من التخصيص أو
التخصّص، وهذا واضح لمن تصوّر حقائق هذه الأمور وأماز بعضها عن بعض.
و من هنا ظهر وجه تقدّم الاستصحاب على قاعدتي الطهارة والحلّ، والبراءة
وغير ذلك ممّا أخذ الشكّ في موضوعه، فإنّ الاستصحاب وإن كان الشكّ مأخوذا
في موضوعه أيضا إلاّ أنّ دليله-حيث يفرض الشاكّ متيقّنا في ظرف البقاء،
وأنّه بقاء متيقّن في نظر الشارع-يرفع الشكّ الّذي هو موضوع لسائر الأصول
بقاء، فهو ناف لموضوع سائر الأصول، وأدلّة الأصول مثبتة للحكم على تقدير
وجود موضوعها، فالأوّل ينفي شيئا لا يثبته الآخر، والآخر يثبت شيئا لا
ينفيه الأوّل، فلا تعارض بينهما، فلا تلاحظ النسبة بين دليليهما ولو كانت
عموما من وجه، فيقدّم دليل الاستصحاب على سائر الأصول الشرعيّة بالحكومة،
وكذلك يقدّم على جميع الأصول العقليّة بالورود، فإنّ