تحريرات في الأصول - الخميني، السيد مصطفى - الصفحة ٢٥٤ - المبحث الثالث في جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة الناشئة عن الأمور الخارجيّة
مثلا: إذا ورد النهي عن الوفاء بعقد الهبة، فهو تخصيص واقعا، و لا يصحّ تعنون العامّ بعنوان المخصّص، و لا توصيفه به، فإنّه عند ذلك يبقى العامّ على حاله من الحجّية، بخلاف ما إذا ورد «لا تكرم الفسّاق من العلماء» فإنّه يلزم من الجمع بين الدليلين بعد المعارضة تقييد عنوان العامّ، و أنّ العالم جزء موضوع الدليل، و جزؤه الآخر صفة العدالة أو عدم الفسق، فإنّه حينئذ لا يمكن التمسّك بالعامّ، لأنّ الشبهة المصداقيّة تصير موضوعيّة، فيدور الأمر بين بقاء العامّ على الحجّية و تعيّن التمسّك، و بين امتناع التمسّك.
و فيه ما عرفت منّا: من أنّ حديث تعنون القانون و ألفاظه بألفاظ القانون الآخر، ممّا لا يصحّ و لا يجوز ذلك، لأنّه تصرّف في القانون، و يكون من الاعوجاج في الاجتهاد [١]، فألفاظ القوانين بما لها من المعاني باقية على حالها، و لا يكون في مرحلة الإثبات تقييد و لا توصيف و إن كان الأمر كذلك في مرحلة الثبوت، ضرورة أنّ الاحتجاجات العقلائيّة تدور مدار الإثبات، و حدود الدلالات التصوّرية و التصديقيّة و الظهورات المستقرّة و المنعقدة.
فالاستظهار من الألفاظ الواردة في القوانين بعد التقييد استظهار من غير القانون الإلهيّ الشرعيّ، بل لا بدّ للمجتهد من فهم الواقع من غير أنّ يقيّد عنوان العامّ بما ليس مقيّدا به في الدليل بحسب الظاهر و الإثبات، و لا سيّما بعد احتمال ترتّب الشهرة عليه، كما ترى و تحرّر في محلّه [٢].
هذا مع أنّه ربّما لا يمكن تعيين خصوص القيد كما في تخصيص «أكرم العلماء» بقوله: «لا تكرم الفسّاق منهم» فإنّه كما يمكن أنّ يكون القيد عنوان «العدول» يمكن أن يكون عنوان «غير الفاسقين» و كما يمكن الأخير على نعت
[١]- تقدّم في الصفحة ٢٣٥- ٢٣٨.
[٢]- لاحظ نفس المصدر.