نهج الايمان - ابن جبیر، علی بن یوسف - الصفحة ٣٥٨ - رفعة كلام علي عليه السلام
إلى غير ذلك من كلامه عليه السلام .
فلينظر الناظر بعين الإنصاف إلى هذا الكلام الشريف الذي يقطر عسله ،وهو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، وإلى معانيه العبقة اللطيفة التي تصل إلى القلوب بلا حجاب وتلج على الأفهام من كل [ فجاج ] ، لا ينبو عنها لوضوحها وجلائها فهم ، ولا يقصر عن إدراكها فطنة .
وقد جمع في كلامه هذا القصير ما طول فيه المتكلمون وأسهبوا من معاني التوحيد ، حتى أنه عليه السلام لم يشذ عنه من كلامهم شاذ ولم يفته فائت .
وهو مع ذلك قد كسي ثوب البلاغة ، وجلباب البراعة ، وسربال الطلاوة .
وإذا نظرت إلى استخراج النتائج التي فيه وجدتها ملخصة في أصح قالب وأوجز لفظ وأجمل لباس ، وإذ لحظها البصير بكتب الفلاسفة ومن أذهب عمره في استخراج دقائقهم في العلم الالهى وجدهم قد أصابوا في بعض النتائج وأخطأوا في بعضها ، ومولانا عليه السلام أخذ بمقدمات النتائج وضروريها [١] حتى أنتجت له المطالب التي اتفق عليها أفلاطون وأرسطو والأماثل والأفاضل ، وأولئك أخطأوا في بعضها مع التعب الشديد والكلل العنيف ليلا ونهارا .
ومولانا عليه السلام وقف على كنوز الحكمة النبوية ومعادن العلوم المحمدية ، لأنه بابها بقول الفريقين كما تقدم في الفصل السابع عشر ، بغير تعب أثقله ولا كتاب طالعه ، إلا الفيض الالهي والالهام الرباني ، بواسطة النبي عليه السلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين .
[١]في المخطوطة : وضرورية .