انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧ - المقام الثّاني في معنى السحر
استعملت هذه الكلمة في كتاب اللّه العزيز كثيرا، و كذا في السنّة، فمنه ما ورد في قصّة سحرة فرعون، فقد أخذوا عصيّا و حبالا و وضعوا فيها أشياء (و يقال زيبق) فإذا يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى، فأخذوا أعين الناس و استرهبوهم و جاؤوا بسحر عظيم، فسحرهم كان أمرا مركّبا من «الأخذ بالعيون» و «الاسترهاب» و «الانتفاع ببعض خواص الأشياء الخفيّة» و في جانب آخر نرى السحر الذي أخذه أهل بابل من الملكين، فكانوا يأخذون ما يضرّهم و يفرّقون بين المرء و أهله ببعض الأسباب الخفيّة.
و في جانب ثالث نرى الكفّار من جميع الامم يتّهمون أنبيائهم بالسحر، لمّا رأوا الآيات الإلهية كما قال تعالى: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [١].
وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [٢].
حتّى انّهم كانوا يسندون تأثير القرآن في النفوس تأثيرا عميقا إلى السحر.
و هذه النسبة و ان كانت كذبا و زورا، و لكن كان منشأها مشاهدة الخوارق للعادات مع أسباب خفية حسبوها خدعة و تمويها.
فيستفاد من جميع ذلك و غيرها من أشباهها و ما ذكره علماء اللغة و الفقهاء أنّه يعتبر في مفهوم السحر الامور التالية:
أوّلا: أن يكون أمرا خارقا للعادة في الظاهر، فإنّ مجرّد التأثير و الخدعة غير كاف لو كانت النتيجة أمرا عاديا.
ثانيا: أن يكون ناشئا عن أسباب خفيّة و لو بالتوسّل بأسباب كيمياوية من خواص الأدوية، أو الفيزيائية كذلك.
ثالثا: أن يكون فيه نوع خداع و تموية.
رابعا: أن يكون فيه الإضرار غالبا و ان لم يكن كذلك دائما، فمثل صرف القلب، و التفريق بين المرء و زوجه، أمر خارق للعادة بأسباب خفيّة، و فيه نوع خديعة و يكون فيه إضرار، و يكون صاحبه من المفسدين.
[١]. سورة النمل، الآية ١٣.
[٢]. سورة القمر، الآية ٢.