انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - ما هي الرّشوة؟
بعض ما عرفت آنفا ناظر إلى قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [١].
فلو لم يفهم هذا من إطلاق الرشوة لم يحسن ذكره مكرّرا بدون قيد هذا «أوّلا».
و «ثانيا»: جعلها في عداد ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب و غير ذلك يدلّ على أنّه في مقابل عمل محرّم، فلو أخذه في مقابل الحكم بالحقّ لم يكن كذلك.
و «ثالثا»: جعلها في مقابل اجور القضاة في غير واحد من روايات الباب التي سبق ذكرها، فلو كان جعل القاضي مطلقا رشوة لم يكن لذلك وجه.
«رابعا»: قد عرفت أنّها مأخوذة من أحد المعاني الثلاثة التي تشترك في معنى الوصول إلى مقصد خاصّ عن طريق عمل، و هذا لا يناسب إعطاء مطلق الأجر إلى القاضي، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ المقصود الوصول إلى نفس القضاء، و لكن لا يخلو عن بعد.
و على هذا لا شكّ أنّ مقتضى القاعدة القول بالحرمة في خصوص ما يؤخذ على الحكم بالباطل، أو الحكم على وفق مراده باطلا كان أو حقّا، فلا تشمل القسم الثالث من الأقسام السابقة و لا ما بعده.
و من هنا يظهر النظر في كلام الجواهر حيث قال: إنّ الرشوة خاصّة في الأموال و في بذلها على جهة الرشوة، أو أنّها تعمّها و تعمّ الأعمال، بل و الأقوال كمدح القاضي و الثناء عليه، و المبادرة إلى حوائجه و إظهار تبجيله و تعظيمه، و نحو ذلك و تعمّ البذل و عقد المحاباة و العارية و الوقف و نحو ذلك، و بالجملة كلّ ما قصد به التوصّل إلى حكم الحاكم؟ قد يقوى في النظر الثاني، و أن شكّ في بعض الأفراد في الدخول في الاسم، أو جزم بعدمه فلا يبعد الدخول في الحكم (انتهى) [٢].
أقول: أمّا الدخول في الاسم فهو بعيد جدّا بالنسبة إلى «الأقوال» بعد التعبير بالأخذ في كثير من روايات الرشوة، و ما يتبادر في الذهن منها في عرف المتشرّعة، بل العرف العامّ من كونها مالا لا قولا.
[١]. سورة المائدة، الآية ٤٤.
[٢]. جواهر الكلام، ج ٢٢، ص ١٤٦- ١٤٧.