مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٤٠ - الطرف الرابع في الأسارى
و الإمام مخيّر، إن شاء ضرب أعناقهم، و إن شاء قطع أيديهم (١) و أرجلهم من خلاف، و تركهم ينزفون حتى يموتوا.
له استرقاقهم في حال الكفر، إذ يتعين قتلهم حينئذ، ففي حال الإسلام أولى. و فيه أنّ المنع من استرقاقهم حينئذ إهانة لهم ليقتلوا، فلا يلزم مثله مع المنع من قتلهم بالإسلام، مع أنّ الإسلام غير مناف للتملّك، و لهذا لمّا امتنع قتلهم بأخذهم بعد تقضّي الحرب جاز استرقاقهم، فيمكن أن يقلب الدليل، و يقال: إذا جاز استرقاقهم مع أخذهم بعد تقضّي الحرب و إسلامهم، فلأن يجوز ذلك قبله أولى، لأنّ حكمهم في هذه الحالة أخفّ، و منع استرقاقهم مع الكفر لأجل أن يفعل بهم ما هو أعظم من الاسترقاق- و هو القتل- لا ينفيه، حيث لا مانع. و أيضا لا شبهة في أنّ أخذهم بعد تقضّي الحرب أخفّ، فثبوت التخيير بين الثلاثة مع إسلامهم، و تحتّم المنّ مع إسلامهم في الحالة القويّة غير جيّد، فقول الشيخ ((رحمه الله)) متّجه.
قوله: «و الإمام مخيّر، إن شاء ضرب أعناقهم، و إن شاء قطع أيديهم. إلخ».
(١) ظاهر هذا التخيير أنه تخيير شهوة لا اجتهاد، لأن المطلوب قتلهم، بخلاف التخيير الآتي بين المنّ و غيره، فإنه تخيير اجتهاد في المصلحة، لا شهوة، كما صرّح به العلّامة [١]، لأنّ الإمام وليّ المسلمين فيرى لهم الأصلح من الثلاثة. و يحتمل هنا كون التخيير كذلك، فإنّ قطع الأيدي و الأرجل قد يكون أصلح، ليعتبر الكفّار و يرهبوا، و يرغب ضعيف العقيدة في اتّباع المسلمين، و يمكن كون ضرب العنق أصلح باعتبار آخر.
و «ينزفوا» بضمّ الياء و فتح الزاء، على البناء للمفعول، لأنّ الدم هو الفاعل للنزف لغة. قال الجوهري: «يقال: نزفه الدم، إذا خرج منه دم كثير حتى يضعف، فهو نزيف و منزوف» [٢]. و نبّه بقوله «حتى يموتوا» على أن لا بدّ من موتهم، فلو لم
[١] المنتهى ٢: ٩٢٨.
[٢] الصحاح ٤: ١٤٣١ مادة «نزف».