مطالب السؤول في مناقب آل الرسول - النصيبي الشافعي، محمد بن طلحة - الصفحة ٥٦ - مقدّمة
سلمة و معه زيد مولاه، فقال: «ما لك فداك أبي و أمي يا علي» فقلت: إن عمك حمزة فعل بشارفي كذا و أخبرته الخبر، فقام رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) و لبس نعليه و رداءه و مشى بين أيدينا و اتبعته أنا و زيد فسلم و استأذن و دخل البيت، فقال: «يا حمزة ما حملك على أن فعلت ما فعلت بشارفي ابن أخيك» فرفع رأسه و جعل ينظر إلى صدر رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) و إلى ساقيه و يصوب النظر إليه ثم قال:
أ لستم و آبائكم عبيدا لأبي؟ فرجع رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) القهقرى فقال: «إن عمك قد ثمل و هما لك علي» فغرمهما النبي ((صلى اللّه عليه و آله و سلم))، فلما أصبح غدا حمزة إلى رسول اللّه يعتذر، فقال له: «مه يا عم فقد سألت اللّه (تعالى) فعفا عنك» فكان ذلك سبب حراسته العقل الشريف من زواله بشرب الخمر فحرمت لذلك.
فأصخ بسمعك لنفعك إلى متلو هذا النبأ العظيم و انظر ببصيرة قلبك إلى مجلو حكمة حكمه العميم، و تدبر بثاقب فكرك ما لأجله خصت الخمرة بالتنجيس و التحريم، فإنه لما كان العقل مناط معرفة المصالح و المفاسد و به تعلم أقدار مراتب المراشد، و هو على الحقيقة معيار اعتبار الأعمال و المقاصد و حكم عدل يميز بين صفاء المصادر و أكدار الموارد، و صدر من حمزة في حق عليّ ما لو أن عقله معه ما أتاه بل لكان سارع إلى ما تصل إليه يدا مكانه فمنحه إياه و أتاه، لكن لما نزح أو حجب عنه عقله قبح لذلك فعله و وضح بما اقدم عليه جهله، فحرم اللّه (سبحانه) الخمر و حكم بنجاستها و أمر رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله و سلم)) كل من كانت عنده بإراقتها، و أوجب الحد على من شربها ترهيبا من مقاربتها و ترغيبا في مجانبتها لتسلم العقول عن أن يتطرق إليها خلل الزوال و تحرس على أربابها فلا يشينها زلل الاختلال.
و لا يخفى أنّ في حفظ العقول عليهم منة تقلد أجياد العباد فلا بدّ من شكرها و نعمة يعظم عند ذوي الدراية و المعرفة مقدار قدرها.