مسند الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٣٦٨ - ٤٨- باب تفسير آيات من سورة لقمان
الدنيا و لا حزن منها على شيء قط، و قد نكح من النساء و ولد له من الأولاد الكثيرة و قدم أكثرهم إفراطا، فما بكى على موت أحد منهم، و لم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما و لم يمض عنهما حتى يحابا، و لم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره و عمن أخذه، و كان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء، و كان يغشي القضاة و الملوك و السلاطين،
فيرثي للقضاة ما ابتلوا به و يرحم للملوك و السلاطين لعزتهم باللّه و طمأنينتهم في ذلك و يعتبر و يتعلم ما يغلب به نفسه و يجاهد به هواه و يحترز به من الشيطان فكان يداوي قلبه بالفكر و يداوي نفسه بالعبر و كان لا يظعن إلا فيما ينفعه فبذلك أوتي الحكمة و منح العصمة، فإن اللّه تبارك و تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار و هدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم.
فقالوا يا لقمان هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين الناس فقال لقمان إن أمرني اللّه بذلك فالسمع و الطاعة لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه و علمني و عصمني و إن هو خيرني قبلت العافية فقالت الملائكة يا لقمان لم قلت ذلك قال لأن الحكم بين الناس من أشد المنازل من الدين و أكثرها فتنا و بلاء ما يخذل و لا يعان و يغشاه الظلم من كل مكان و صاحبه فيه بين أمرين إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم و إن أخطأ أخطأ طريق الجنة.
و من يكن في الدنيا ذليلا و ضعيفا كان أهون عليه في المعاد أن يكون فيه حكما سريا شريفا و من اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما تزول هذه و لا تدرك تلك، قال فتعجبت الملائكة من حكمته و استحسن الرحمن منطقه، فلما أمسى و أخذ مضجعه من الليل أنزل اللّه عليه الحكمة