قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٧٩ - (الخامس و الثمانون)
خطب الناس بالجابية فقال: إن اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [١]. فقال قسّ من تلك القسوس: ما يقول اميركم هذا؟ فقالوا يقول: ان اللّه يضلّ من يشاء. فقال القسّ: اللّه أعدل من ان يضلّ أحدا. فبلغ ذلك عمر فبعث إليه فقال: بل اللّه أضلك و لو لا عهدك لضربت عنقك.
قلت: و اللفظ و إن ورد في القرآن إلّا انّه من الآيات المتشابهة التي لا يجوز الاخذ بظاهرها و يجب تأويلها بدلالة العقل، و قد دلّ اللّه تعالى على المراد بها بقوله «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» [٢] بمعنى أنّ من كان بسوء اختياره عاملا بما ذكر من نقض عهد الله و قطع ما صلته واجب و إلا فساد في الأرض ليس بأهل أن يهديه فيتركه و نفسه فكأنّه أضلّه. لكنّ الرجل ممّن قال تعالى «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ» [٣].
و هل الارشاد في الاسلام بتهديد القتل و ضرب الأعناق لو عجز عن الجواب.
(الخامس و الثمانون)
عن الثعلبي [٤] فى تفسير قوله «وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» [٥] يروى أنّ عمر بن الخطاب قرأه «و السابقون الاولون من المهاجرين و الانصار الذين اتبعوهم باحسان» برفع الراء و بغير واو مع «الذين» فقال له أبيّ بن كعب: إنمّا هو «و الأنصار و الذين» بالواو، فعاوده مرارا فقال أبيّ: و اللّه لقد قرأتها على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» و انّك يومئذ تبيع القرص ببقيع الغرقد. فقال: صدقت حفظتم و نسينا و تفرّغتم و شغلنا و شهدتم و غبنا. ثمّ قال عمر لأبيّ: أ فيهم الانصار. قال: نعم و لم يستأمر الخطاب و لا بنيه. فقال عمر:
كنت أظن إنّا قد رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا.
أقول: الظاهر أنّ معنى قول عمر «أ فيهم الانصار» أنّ لفظ الانصار هل يكون بالجر
[١]. سورة فاطر: الآية ٨.
[٢]. سورة البقرة: الآية ٢٦ و ٢٧.
[٣]. سورة آل عمران: الآية ٧.
[٤]. الكشف و البيان في تفسير القرآن لابي اسحاق احمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي.
[٥]. سورة التوبة: الآية ١٠٠.