قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٧٧ - (الواحد و الثمانون)
شربكم، هذا و العهد قريب و الكلم رحيب و الجرح لما يندمل، انما زعمتم ذلك خوف الفتنة «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ»- الخ [١].
ثم لو لم يكونوا هم أصل الفتنة، لم اخرجهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين وفاته و لعن المتخلف، فروى أبو بكر الجوهريّ فى كتاب سقيفته- و قد نقله المعتزليّ في شرح «و من كلام له (عليه السلام) في معنى الانصار»- انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر في مرض موته أسامة بن زيد على جيش فيه جلّة المهاجرين و الانصار منهم أبو بكر و عمر و ابو عبيدة بن الجرّاح و عبد الرحمن ابن عوف و طلحة و الزبير، و امره ان يغير على موتة حيث قتل أبوه زيد بن حارثة و ان يغزي وادي فلسطين، فتثاقل و تثاقل الجيش بتثاقله، و جعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يثقل و يخفّ و يؤكد في تنفيذ ذلك البعث حتى قال له اسامة: بأبي أنت و أمّي أ تأذن لي أن امكث أياما حتى يشفيك اللّه تعالى؟ فقال: أخرج و سر على بركة اللّه. فقال:
إني ان خرجت و أنت على هذه الحال خرجت و في قلبي قرحة. قال: سر على النصر و العافية. فقال: إنّي أكره أن أسأل عنك الركبان. فقال: أنفذ لما أمرتك به. ثمّ أغمي على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قام اسامة فجهّز للخروج، فلمّا افاق النبيّ سأل عن اسامة و البعث، فأخبر انهم متجهزون فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة لعن اللّه من تخلف عنه- و يكرر ذلك- فخرج اسامة و اللواء على رأسه، حتى اذا كان بالجرف نزل و معه أبو بكر و عمر و اكثر المهاجرين و من الانصار أسيد بن حضير و بشير بن سعد و غيرهم من الوجوه، فجاءهم رسول أمّ ايمن يقول له أدخل فانّ النبيّ يموت، فقام من فوره فدخل المدينة و اللواء معه فجاء به حتّى ركزه بباب النبيّ و النبيّ قد مات في تلك الساعة، قال فما كان ابو بكر و عمر يخاطبان أسامة إلى أن ماتا إلّا بالامير.
فانّ من راجع أمر السقيفة تبين له انّ اصل الفتنة و فرعها هؤلاء المهاجرون و الزبير إن لم يكن منهم أوّلا صار منهم أخيرا، و لا سيّما من مهاجريهم أبو عبيدة، فانّ أبا بكر كان يفوض الامر إليه و الى عمر و هما يفوضانه إليه. و أمّا هؤلاء الانصار فبشير بن سعد منهم- و هو أبو نعمان بن بشير- هو أوّل من بايع أبا بكر حتى قبل عمر حسدا منه لابن عمّه سعد
[١]. سورة التوبة: الآية ٤٩.