قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٤٧ - (الثامن و الستون)
فليتني أراكم بعدي. قلت: إنّ صاحبنا ما قد علمت انّه ما غير و لا بدّل و لا أسخط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أيام صحبته له. قال: فقطع عليّ الكلام و قال: و لا في ابنة أبي جهل لمّا أراد ان يخطبها على فاطمة. قلت: قال اللّه عزّ و جلّ «وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» [١] و صاحبنا لم يعزم على سخط رسول اللّه و لكنّ الخواطر الّتي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه، و ربّما كانت من الفقيه في دين اللّه العالم العامل بأمر اللّه. فقال: يا ابن عباس من ظنّ انّه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظنّ عجزا.
قلت: أمّا قوله «أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به» فانّ الجهّال لا يفرقون بين العجب و الكبر و بين عزة النفس قال تعالى «وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» [٢] و حيث انّه (عليه السلام) كان على الخلق الّذي يحبّه اللّه من عدم التخشع لأهل الرئاسة و من في يده الدنيا كسائر الاراذل كانوا يتملقون لعمر نسبه (عليه السلام) الى العجب، و الّا فهو في اوّل درجة بعد النبيّ في الاتصاف بما قال اللّه تعالى «وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» [٣] باتفاق كلّ وليّ و عدو، و قد ورد نزول الآية فيه و في أهل بيته (عليهم السلام).
و أمّا قوله «و لا في ابنة أبي جهل لمّا أراد ان يخطبها على فاطمة» فانّه لمّا ردّ ابن عباس على عمر بأنّ صاحبنا أجلّ من ذلك و أنت تعرف علو مقامه و وصفه بأنّه ما غير و لا بدّل و لا أسخط النّبيّ، و كان ذلك تعريضا بعمر بأنّك غيّرت و بدّلت أحكام اللّه و أسخطت رسول اللّه، فكان اسخطه مرارا لا سيّما في مرض موته حيث منعه من كتابة وصيته و نسبه الى الهجر، فأخرجه من عنده و قال (٦) له و لذويه «قوموا عنّي لا ينبغي التنازع عندي»، غضب عمر و قطع كلام ابن عباس و افترى على امير المؤمنين و على النبيّ بأنّه (عليه السلام) أراد خطبة بنت أبي جهل على ابنته فسخط، و الدليل على افترائه انّه كيف يمكن أن يأتى النبيّ في شرعه من اللّه تعالى «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ» [٤] ثمّ يسخط من شيء أتى به و قد قال تعالى له «قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ
[١]. سورة طه: الآية ١١٥.
[٢]. سورة المنافقون: الآية ٨.
[٣]. سورة الفرقان: الآية ٦٣.
[٤]. سورة النساء: الآية ٣.