قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٣٣٦ - (السادس و الستون)
قلت: لا أدري ما هذا التناقض، فبعد الاعتراف بأنّ منعه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن الوصية و مخالفتهم له بالتّخلف عن جيش اسامة من المخالفات المؤثرة فى الدين كما قال مخالفوهم- أي الشيعة- كيف يعتذر بأن غرضهم كان إقامة مراسم الدين كما قال أصحابه.
مع أنّه ليس معنى كلامه و مغزى مرامه إلّا أنّ الرجلين كانا أعلم باقامة مراسم الدين من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنّ اللّه تعالى لم يعلم حيث جعل رسالته، فقالوا مثل ما قال الاولون «لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ».
و قد أفصحوا عن هذا المعنى فيما رووا من الفضائل لعمر أنّ النبيّ قال: لو لم يبعث هو لبعث عمر، و انّه كلّما أبطأ جبرئيل عن النبيّ خاف أن يكون نزل على عمر، و انّ الملك ينطق على لسان عمر.
قلت: و ذا كان الملك ينطق على لسانه يسقط اعتراض من طعن عليه بأنّه نسب الهجر إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلم يكن هو قال ذلك بل الملك كان قد قال ذلك.
أف لهم و لما يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ، ما أصلب وجوههم، انّ قوم ابراهيم لمّا قال لهم: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [١]، نكّسوا رءوسهم و قالوا «لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ» [٢] و هؤلاء ما ينكّسون رءوسهم أبدا.
و اذا كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعن المتخلفين عن جيش أسامة و كان الثلاثة في جيشه، فلم يطعنون على الشيعة بأنّهم يسبّون السلف، و لكن هؤلاء أشربوا كبني اسرائيل في قلوبهم العجل [٣].
(السادس و الستون)
في شرح ابن أبي الحديد: روى الزبير بن بكّار في موفقياته عن عبد اللّه بن عباس قال: إنّي لأماشي عمر بن الخطاب في سكّة من سكك المدينة اذ قال لي:
يا ابن عباس ما أدري صاحبك إلّا مظلوما. فقلت في نفسي: و اللّه لا يسبقني بها، فقلت فاردد إليه ظلامته. فانتزع يده من يدي و مضى يهمهم ساعة ثمّ وقف فلحقته فقال: يا ابن عباس ما أظنّهم منعهم إلا أنّه استصغره قومه. فقلت في نفسى: هذه شرّ من الاولى. فقلت:
و اللّه ما استصغره اللّه و رسوله حين أمراه ان يأخذ (براءة) من صاحبك، فأعرض عني
[١]. سورة الأنبياء: الآية ٦٣.
[٢]. سورة الأنبياء: الآية: ٦٥.
[٣]. راجع الآية ٩٣ من سورة البقرة.