قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) - التستري، الشيخ اسد الله - الصفحة ٢٧ - الفصل الرّابع في قضاياه الّتي منع المدّعي من الاقرار و حثّه على الانكار كما في الحدود الالهيّة عملا بالسّنن الشرعيّة
إنّها ثلاث شهادات.
فاستقبلها عمرو بن حريث المخزوميّ فقال: ما يبكيك يا أمة اللّه و قد رأيتك تختلفين إلى عليّ تسألينه ان يطهّرك. فقالت: أتيت أمير المؤمنين فسألته أن يطهّرني فقال: اكفلي ولدك حتّى يعقل أن يأكل و يشرب و لا يتردّى من سطح و لا يتردّى في بئر، و قد خفت أن يأتي عليّ الموت و لم يطهّرني. فقال لها عمر بن حريث ارجعي إليه فأنا أكفله، فرجعت فأخبرت امير المؤمنين (عليه السلام) بقول عمرو فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو متجاهل عليها: و لم يكفل عمرو ولدك. فقالت: إنّي زنيت فطهّرني. قال: و ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: نعم. قال: أ فغائبا كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضرا؟
فقالت: بل حاضرا. فرفع عليه السّلام رأسه الى السّماء و قال: اللّهمّ إنّه قد ثبت لك عليها أربع شهادات و إنّك قلت لنبيّك (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما أخبرته من دينك: «يا محمّد من عطّل حدّا من حدودي فقد عاندني و طلب بذلك مضادّتي» اللّهمّ و انّي غير معطّل حدودك و لا طالب مضادّتك و لا مضيّع لأحكامك بل مطيع لك و متّبع سنّة نبيّك.
فنظر إليه عمرو بن حريث و كأنّما الرّمّان يفقأ في وجهه، فلمّا رأى ذلك عمرو قال: يا امير المؤمنين إنّي إنّما أردت أن أكفله إذ ظننت أنّك تحبّ ذلك فأمّا إذ كرهته فانّي لست أفعل. فقال (عليه السلام) أبعد اربع شهادات باللّه لتكفلنّه و أنت صاغر.
فصعد أمير المؤمنين (عليه السلام) المنبر فقال: يا قنبر ناد في النّاس الصّلاة جامعة. فنادى فاجتمعوا حتّى غصّ المسجد بأهله، و قام امير المؤمنين فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إن امامكم خارج بهذا المرأة الى هذا الظهر [١] ليقيم عليها الحدّ إن شاء اللّه، فعزم عليكم لما خرجتم و أنتم متنكّرون و معكم أحجاركم لا يتعرف أحد منكم إلى أحد حتّى تنصرفوا الى منازلكم.
ثمّ نزل، فلمّا أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة و خرج النّاس متنكّرين متلثّمين بعمائمهم و بأرديتهم و الحجارة في أيديهم و في أكمامهم حتّى انتهى بها و الناس معه إلى الظهر بالكوفة، فأمر لها أن يحفر حفيرة ثمّ دفنها فيها ثمّ ركب بغلته و أثبت رجليه في غزر
[١]. الظّهر: ما يقابل الدّاخل، أي خارج المدينة أو القرية