تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٢٤ - ذكر تسيير من سير من اهل الكوفه إليها
أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد الا حازما قال صعصعة: كذبت! قد ولدهم خير من ابى سفيان، من خلقه الله بيده، و نفخ فيه من روحه، و امر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر و الفاجر، و الأحمق و الكيس.
فخرج تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابله، فتحدث عندهم طويلا، ثم قال: ايها القوم، ردوا على خيرا او اسكتوا و تفكروا و انظروا فيما ينفعكم و ينفع أهليكم، و ينفع عشائركم، و ينفع جماعه المسلمين، فاطلبوه تعيشوا و نعش بكم فقال صعصعة: لست باهل ذلك، و لا كرامة لك ان تطاع في معصية الله.
فقال: او ليس ما ابتدأتكم به ان امرتكم بتقوى الله و طاعته و طاعه نبيه ص، و ان تعتصموا بحبله جميعا و لا تفرقوا! قالوا: بل امرت بالفرقة و خلاف ما جاء به النبي(ص)قال: فانى آمركم الان، ان كنت فعلت فاتوب الى الله، و آمركم بتقواه و طاعته و طاعه نبيه(ص)و لزوم الجماعه، و كراهة الفرقة، و ان توقروا ائمتكم و تدلوهم على كل حسن ما قدرتم، و تعظوهم في لين و لطف في شيء ان كان منهم.
فقال صعصعة: فانا نأمرك ان تعتزل عملك، فان في المسلمين من هو أحق به منك، قال: من هو؟ قال: من كان أبوه احسن قدما من ابيك، و هو بنفسه احسن قدما منك في الاسلام، فقال: و الله ان لي في الاسلام قدما، و لغيري كان احسن قدما منى، و لكنه ليس في زمانى احد اقوى على ما انا فيه منى، و لقد راى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيرى اقوى منى لم يكن لي عند عمر هواده و لا لغيري، و لم احدث من الحدث ما ينبغى لي ان اعتزل عملي، و لو راى ذلك امير المؤمنين و جماعه المسلمين لكتب الى بخط يده فاعتزلت عمله، و لو قضى الله ان يفعل ذلك لرجوت الا يعزم له على ذلك الا و هو خير، فمهلا فان في ذلك و أشباهه ما يتمنى الشيطان و يأمر، و لعمري لو كانت الأمور تقضى على رأيكم و أمانيكم