تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣١٩ - ذكر تسيير من سير من اهل الكوفه إليها
فان آنست منهم رشدا فاقبل منهم، و ان اعيوك فارددهم عليهم فلما قدموا على معاويه رحب بهم و انزلهم كنيسه تسمى مريم، و اجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجرى عليهم بالعراق، و جعل لا يزال يتغدى و يتعشى معهم، فقال لهم يوما: انكم قوم من العرب لكم اسنان و السنه، و قد ادركتم بالإسلام شرفا و غلبتم الأمم و حويتم مراتبهم و مواريثهم، و قد بلغنى انكم نقمتم قريشا، و ان قريشا لو لم تكن عدتم اذله كما كنتم، ان ائمتكم لكم الى اليوم جنه فلا تشذوا عن جنتكم، و ان ائمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، و يحتملون منكم المئونة، و الله لتنتهن او ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم و بعد موتكم.
فقال رجل من القوم: اما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن اكثر العرب و لا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، و اما ما ذكرت من الجنه فان الجنه إذا اخترقت خلص إلينا.
فقال معاويه: عرفتكم الان، علمت ان الذى اغراكم على هذا قله العقول، و أنت خطيب القوم، و لا ارى لك عقلا، اعظم عليك امر الاسلام، و اذكرك به، و تذكرني الجاهلية! و قد وعظتك و تزعم لما يجنك انه يخترق، و لا ينسب ما يخترق الى الجنه، اخزى الله أقواما أعظموا امركم، و رفعوا الى خليفتكم! افقهوا- و لا اظنكم تفقهون- ان قريشا لم تعز في جاهلية و لا اسلام الا بالله عز و جل، لم تكن باكثر العرب و لا اشدهم، و لكنهم كانوا اكرمهم أحسابا، و امحضهم انسابا، و اعظمهم اخطارا، و اكملهم مروءة، و لم يمتنعوا في الجاهلية و الناس يأكل بعضهم بعضا الا بالله الذى لا يستذل من أعز، و لا يوضع من رفع، فبواهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم! هل تعرفون عربا او عجما او سودا او حمرا الا قد اصابه الدهر في بلده و حرمته بدولة، الا ما كان من قريش، فانه لم يردهم احد من الناس بكيد الا جعل الله