تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٢٣ - شيء من سيره مما لم يمض ذكره
رضى الله عنه و بعض اصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان اشعر، و قال بعضهم: بل فلان اشعر، قال: فاقبلت، فقال عمر: قد جاءكم اعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا بن عباس؟ قال: فقلت:
زهير بن ابى سلمى، فقال عمر: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت، فقلت: امتدح قوما من بنى عبد الله بن غطفان، فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم* * * قوم باولهم او مجدهم قعدوا
قوم ابوهم سنان حين تنسبهم* * * طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا
انس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا* * * مرزءون بها ليل إذا حشدوا
محسدون على ما كان من نعم* * * لا ينزع الله منهم ماله حسدوا
فقال عمر: احسن، و ما اعلم أحدا اولى بهذا الشعر من هذا الحى من بنى هاشم! لفضل رسول الله(ص)و قرابتهم منه، فقلت: وفقت يا امير المؤمنين، و لم تزل موفقا، فقال: يا بن عباس، ا تدرى ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت ان اجيبه، فقلت: ان لم أكن ادرى فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا ان يجمعوا لكم النبوه و الخلافه، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فاصابت و وفقت فقلت: يا امير المؤمنين، ان تاذن لي في الكلام، و تمط عنى الغضب تكلمت.
فقال: تكلم يا بن عباس، فقلت: اما قولك يا امير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فاصابت و وفقت، فلو ان قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز و جل لها لكان الصواب بيدها غير مردود و لا محسود و اما قولك: انهم كرهوا ان تكون لنا النبوه و الخلافه، فان الله عز و جل وصف قوما بالكراهية فقال: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ».
فقال عمر: هيهات و الله يا بن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت اكره ان افرك عنها، فتزيل منزلتك منى، فقلت: و ما هي يا امير المؤمنين؟