بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٦٥ - القسم الأول المجمل بالذات
٢- النوع الثاني: من القسم الأول، و هو ما إذا كان كلّ من الدليلين مجمل بالذات، و كان هذان الدليلان المجملان على نحو، بحيث أنّ بعض محتملات كلّ منهما يتطابق مع بعض محتملات الآخر، و لكن بعض محتملات كلّ منهما يتعارض مع بعض محتملات الآخر، أي أنّه كان في كلّ دليل منهما احتمالان، و على تقدير حملهما على أحد احتماليهما لا يتعارضان، و على تقدير حملهما على احتماليهما الآخرين يتعارضان.
و مثال هذا النوع روايات «الكرّ» كما وردت في الأخبار [١] لا كما مثّلنا سابقا، حيث أنّ صحيحة محمّد بن مسلم تقول: «الكرّ ستمائة رطل» و بلا أيّ قيد، و مرسلة ابن أبي عمير تقول: «الكرّ ألف و مائتا رطل» و بلا قيد أيضا.
و حينئذ نقول: إذا حملت الرواية الأولى على المكّي، و الثانية على العراقي، فهما متّفقتان، لأنّ الرطل المكّي ضعف الرطل العراقي، و أمّا إذا عكسنا الأمر أو حملناهما معا على المكّي، أو معا على العراقي، فهما متعارضتان، و حينئذ، في مثل هذا، هل يمكن رفع الإجمال بذلك الحمل و تعيين الحكم؟
لا إشكال في هذه الفرضية في حجية كلا الدليلين على إجمالهما، و ذلك لأنّ ما يسقطهما عن الحجية إنّما هو التعارض، و التعارض غير محرز بينهما في المقام و إن كان محتملا، و مجرّد احتمال التعارض لا يوجب سقوطهما عن الحجية إلّا إذا كان محرزا، إذ المناط في السقوط هو إحراز المعارض، و حينئذ إذا ثبتت حجيّة كلّ من الدليلين بدليل الحجية، فيكون عندنا قضيتان مجملتان.
و حينئذ نقول: إنّه يمكن رفع الإجمال في المقام بوجه يتمّ حتى لو فرض أنّنا أمضينا الإشكال و سلّمناه في النوع السابق، و ذلك بأن نقول:
إنّنا لا نريد هنا أن نحمل الرطل في رواية الستمائة على المكّي،
[١] الوسائل- ج ١- م ١- ص ١٢٣- ١٢٤- باب ١١- مقدار الكر بالأرطال.