بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٠٨ - تشخيص مقدمات الحكمة
فلو اشترط في المقدمة الثانية أن لا ينصب قرينة على القيد، فالعام لا يصلح قرينة على المقيد، و في مثله تكون مقدمات الحكمة تامة في المطلق، و ينعقد الإطلاق و يقع التعارض حينئذ بين الظهور الإطلاقي و الظهور العمومي.
و لا ينبغي الإشكال في أنّ المرجع في معرفة الصحيح من هذه الاحتمالات إنّما هو ذلك الظهور الحالي السياقي للمتكلم، و عليه نريد أن نعرف أنّه متى يرتفع الخلف الذي وظيفة المقدمة الثانية أن تثبته، و ذلك بإرادة المقيد حيث أنّه بذلك نحدّد القيد المناسب للمقدمة الثانية حيث أنّه لا إشكال في أنّه إذا لم يبين الخلاف بوجه من الوجوه يكون مقتضيا لثبوت الإطلاق، و حينئذ لو أراد المقيد لكان خلفا.
و بعد هذا نقول: إنّه لو بين الخلاف بإرادة المطلق بحيث لو كان وحده لكفى- كما في التفسير الأول- فقال: «أكرم العالم، و لا تكرم الفاسق»، فهل يبقى الخلف لو أراد المتكلم المقيّد، أم أنّه يرتفع؟ فإذا لم يلزم خلف من إرادة المقيّد- رغم بيان الخلاف بمطلق- يكون التفسير و الاحتمال الأول لعدم نصب القرينة المتصلة هو الصحيح.
لكن الصحيح انّ الخلف باق لأنّ المفروض أنّ المتكلم في مقام بيان تمام مرامه بشخص كلامه، و من الواضح، أنّه لم يتحصّل لنا مرامه من مجموع هذا الكلام، لأنّ مادة الاجتماع- «العالم الفاسق»- لا نعرف أنّها داخلة في مرامه أم لا، إذن، فهو لم يبيّن تمام مرامه على تقدير إرادة المقيد، إذن فعلى تقدير كون مرامه المقيّد، يلزم الخلف، و هذا معناه، بطلان الاحتمال و التفسير الأول.
و لو فرض أنّ هذا المتكلم بيّن الخلاف، بأن جاء بمطلق و عام وضعي فقال: «أكرم العالم و لا تكرم أيّ فاسق»، فهل يبقى الخلف لو أراد المقيّد أم أنّ الخلف يرتفع؟
فإن ارتفع الخلف يثبت الاحتمال الثاني، و إن بقي يثبت الاحتمال الثالث.
و حينئذ قد يقال: إنّ إرادة المقيّد من «أكرم العالم» لا يلزم منه الخلف،