بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٦ - المسلك الثالث هو أن يقال إنّ حقيقة النسخ هي ما ذكرناه في المسلك الثاني حرفا بحرف، لكن يضاف هنا
و إمّا أن نجمع بينهما جمعا جهتيا بلحاظ المرتبة الثانية فنقول: بأنّ الجعل الثابت في الخاص لم يجعل لكي يبقى، بل جعل لكي ينسخ و يلغى، فننسخ الخاص بالعام.
إذن، فنحن بين جمعين، مفاد الأول، إسقاط اصالة عدم التخصيص، و مفاد الجمع الثاني، إسقاط اصالة عدم النسخ، و حينئذ يقال: بما انّ الجمع الأول رافع لموضوع الجمع الثاني، فيكون حاكما عليه، لأنّ المرتبة الثانية في طول المرتبة الأولى.
و من الواضح، أنّه ما لم يتعيّن انّ هذا هو مراد المتكلم من الكلام، سوف لا تصل النوبة إلى المرتبة الثانية لنتساءل، انّ هذا مراد جدا أم لا؟ و بناء عليه يقدم تخصيص العام على نسخ الخاص، لأنّنا مع إعمال الجمع العرفي في المرتبة الأولى، نكون قد رفعنا موضوع الجمع العرفي في المرتبة الثانية، و هذا هو ما نسب إلى المحقق العراقي [١] (قدس) في مقالاته.
إلّا انّ هذا التقريب غير تام، و ذلك، لأنّه حتى لو فرض وجود مرتبتين من الدلالة في الكلام كما تقدم، إلّا انّ هذا التسلسل الرتبي يلحظ في كل دليل دليل برأسه، إذ في كل دليل دليل رتبته الأولى قبل رتبته الثانية، و هنا الأمر كذلك، فإنّ كلّا من الخاص و العام فيه هاتان المرتبتان من الدلالة، في المرتبة الأولى تجري اصالة الظهور لتشخيص ما هو المراد، و في المرتبة الثانية تجري اصالة الظهور لتعين انّ المراد و المدلول هذا جدي و ثابت و ليس صوريا، فالمرتبة الثانية في كل من الدليلين، هي في طول المرتبة الأولى من نفس ذاك الدليل و ليس في طول المرتبة الأولى من دليل آخر.
و الشبهة هنا لا تريد إيقاع المعارضة بين اصالتي الظهور في مرتبتي الدليل الواحد ليقال بالحكومة، بل تريد إيقاع المعارضة بين اصالة الظهور في العام، أي عدم التخصيص، في المرتبة الأولى من العام، و بين اصالة
[١] مقالات الأصول- العراقي- ج ١- ص ١٦٣.