بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٦٣ - القسم الأول المجمل بالذات
و توضيح الحال في جوابه: هو أن يقال: إنّه حينما يفرض انّ كلاما «ما» يتردّد مدلوله الجدّي بين شيئين، كما لو صدر كلام من المعصوم يقول فيه:
«صلّ»، و تردّد مدلوله الجدّي بين الوجوب أو الاستحباب، ففي مثله: واقع المراد الجدّي مردّد، أي انّ ما هو مدلول جدّي بالحمل الشائع مردّد، أي أنّ واقع ما تعلّق به إرادة المتكلّم مردّد، إذ كما يحتمل أن يكون هو الوجوب، يحتمل أن يكون هو الاستحباب، لكن على كلا التقديرين سواء كان المدلول الجدّي هو الوجوب أو الاستحباب فهناك حالة ثابتة محفوظة في الكلام، و هي أنّ الكلام ليس هزلا بل هو جدّي و هذه صفة قائمة بنفس الكلام و محفوظة فيه.
و نحن في مقام تعيين واقع المدلول الجدّي، نحتاج إلى ملاحظة ما هو الظاهر من الدليل، فيقال مثلا: إنّ صيغة «افعل» ظاهرة في الوجوب، فحملها على الوجوب ليس لأجل التحفظ على جدّية الكلام، فإنّ جدّية الكلام محفوظة على كلا التقديرين.
و هذا المثال يوضح لنا معنى اصالة الجد، فإنّه ليس المقصود بها الأصل الذي يعيّن لنا واقع المراد الجدّي بالحمل الشائع، بل اصالة الجد هو الأصل الذي يعيّن لنا صفة قائمة في الكلام، و هي جدّية الكلام في مقابل هزليّته، و هذه الصفة يعيّنها ظهور حالي سياقي نسمّي اعتباره العقلائي باصالة الجهة، من دون تعيين مصداقي الجدّ و انّه الوجوب أو الاستحباب، إذ انّ هذا يتعيّن بظهور آخر.
و إذا توضّح عندنا معنى اصالة الجدّ، حينئذ، يندفع هذا الإشكال، لأنّ الإشكال كان مبنيا على تخيّل انّ أصالة الجهة مفادها تعيين واقع المدلول الجدّي، حيث يقال حينئذ: إذا كان المقصود إثباته باصالة الجهة هو كون الكرّ ستمائة رطل بالمكّي أو بالعراقي، فحينئذ يأتي هذا الإشكال، حيث يقال: إنّه كيف يثبت باصالة الجدّ قضية لم نحرز كونها مدلولا مطابقيا لها و يقطع بعدم كونه مدلولا التزاميا لها أيضا، إذ لو كان مدلولها جعل الكريّة