بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٣١ - تنبيهات مقدمات الحكمة
و تارة أخرى، نحمّل جزئية أمر آخر برأسه، كما لو احتملنا وجوب المضمضة، و كان قد سكت عنها في سياق ما سمّاه من أجزاء، فهنا لا يمكن إعمال مقدمات الحكمة و التمسّك بالإطلاق الحكمي، و ذلك لأنّ المضمضة المحتمل وجوبها، هي على فرض ثبوت جزئيتها في الواقع، لا تكون قيدا في موضوع غسل الوجه- أي المراد الجدّي في الدليل- سواء كانت جزءا أو لم تكن، و بهذا، لا يكون كلامه دائرا بين المطلق و المقيّد.
و كون المتكلم انّه في مقام بيان تمام موضوع حكمه، لا ينافي ان يكون له حكم آخر وراء هذا الحكم، و إنّما يمكن التمسّك بالإطلاق المقامي فيما إذا ثبت انّ المتكلّم في مقام استيعاب تمام أجزاء الوضوء و قد سكت عن جزئية المضمضة، لأنّ نفس الدليل الذي يدلّ على أنّه في مقام استيعاب تمام أجزاء الوضوء، مع سكوته عن جزئية المضمضة، يدلّ بالالتزام على أنّ ما سكت عنه ليس جزءا، و إلّا لكان خلف الدليل الدالّ على أنّه في مقام استيعاب تمام أجزاء الوضوء.
و لكن الدليل الذي يدلّ على أنّ المتكلّم في مقام استيعاب تمام أجزاء الوضوء اتفاقي قد يحصل، و قد لا يحصل، كما لو قال: «غسل الوجه جزء من الوضوء»، فليس ثمّة ما يدل على أنّه في مقام استيفاء تمام أجزاء الموضوع، و هذا بخلاف الظهور الحالي السياقي الذي هو الأساس للإطلاق الحكمي، فإنّه ثابت على القاعدة في كل مورد تصدّى فيه المتكلّم لإبراز تمام موضوع الحكم المدلول بكلامه، فإنّ ظاهر حاله أنّه بيّن تمام موضوع ذلك الحكم، و لهذا يكون الإطلاق الحكمي على القاعدة، ظهورا عاما ليس بحاجة إلى عناية خاصة.
و هذا بخلاف الإطلاق المقامي، فإنّه باعتبار كونه مرتبطا بمرام آخر علاوة على مدلول الكلام، يصبح بحاجة إلى عناية زائدة و قرينة على أنّه في مقام بيان ذلك المرام و تلك الحيثية و الجهة التي لم يبرزها المتكلّم بكلامه الأول الذي تكلّم به، و هذه القرينة في الإطلاق المقامي على نحوين.