بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٣٥ - المسلك الثالث هو أن يقال إنّ حقيقة النسخ هي ما ذكرناه في المسلك الثاني حرفا بحرف، لكن يضاف هنا
و الحاصل: إنه لا يمكن الاستدلال على تقديم التخصيص بهذا الجواب، لأنّ هذا الجواب يفترض المعرضية أصلا موضوعيا و المعرضيّة فرع إحراز كثرة التخصيصات المنفصلة الواردة في الكتاب و السنة النبوية، و كثرة التخصيصات هذه، لا تحرز إلّا بعد الفراغ عن هذه المسألة و إثبات انّه كلّما دار الأمر بين النسخ و التخصيص فالتخصيص يكون هو المتعيّن، إذن، فكيف نثبت هذه المسألة بأصل موضوعي يتوقف إثباته على الفراغ عن هذه المسألة، إذن فالمسألة دورية، إذن فهذا الجواب غير مفيد.
الجواب الثالث: هو أن يقال بتقديم اصالة عدم النسخ على اصالة عدم التخصيص بما يشبه الحكومة، و هذا الجواب يمكن تقريبه بتقريبات ثلاث:
التقريب الأول: هو أنّ اصالة الظهور التي تسمى باصالة عدم التخصيص ليست في مرتبة اصالة الظهور التي تسمى باصالة عدم النسخ، بل هما في مرتبتين طوليتين، إذ أنّ هناك مرحلتين مترتبتين.
المرحلة الأولى: مرحلة تعيّن مدلول الكلام و مفاد الدليل و مراد المولى من هذا الكلام.
و في هذه المرحلة يقال: إنّ المولى قد يريد من العام العموم، و قد يريد منه الخصوص، و هنا تجري اصالة عدم التخصيص لإثبات أنّ مراد المولى هو العموم، ثم بعد أن يتبيّن مراد المولى و المتكلّم، تأتي المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية: و هي مرحلة تعيّن انّ هذا الحكم هل هو حكم صوري، أم أنّه حكم جدّي ثابت و مجعول لكي يبقى، و هنا يوجد ظهور آخر يسمّى باصالة عدم النسخ، أو باصالة الجدّ، يثبت جدّية الحكم و يكون هو المحكّم، إذن، هنا اصلان ينتسبان إلى مرتبتين من الدلالة، و حينئذ، يقال:
إنّنا بين أمرين، فإمّا أن نجمع بين الدليلين جمعا دلاليا بلحاظ المرتبة الأولى، فتخصّص العام بالخاص، و يكون الخاص قرينة على أنّ المراد من العام هو الخاص.