بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٨ - تنبيهات مقدمات الحكمة
الذهن بدرجة بحيث لا يرى عرفا انّه فرد من هذه الطبيعة، فإنّه مثله حينئذ ينهدم الإطلاق، لأنّه لا يكون اللفظ موضوعا للمقسم.
٢- الأمر الثاني: من أسباب الانصراف هو كثرة استعمال اللفظ في خصوص حصة من بين حصص الطبيعة، لا على نحو المجاز فقط، بل قد يستعمل اللفظ فيها و تراد منه بنحو تعدد الدال و المدلول، و حينئذ، هذا الاستعمال الكثير و الاقتران المتكرر بين اللفظ و هذه الحصة، يوجب حدوث أنس ذهني بين اللفظ و تلك الحصة، و هذا الأنس بدوره يوجب انصراف الذهن إليها عند الإطلاق، فمثلا: لفظة «إمام»، معناها لغة: كلّ من يقتدى به، لكنها استعملت كثيرا في من يقتدى به في الصلاة، و أريد منها هذا المعنى كثيرا و لو بنحو تعدّد الدالّ و المدلول، فحصل بينه و بين هذه الحصة أنس أوجب الانصراف عند استعماله، و هذا الأنس الذهني لفظي، لأنّه حصل بسبب اللفظ، و هذا الأنس الذي نشأ من كثرة الاستعمال هو الذي يؤدي إلى الوضع التعيني في مرتبة من مراتبه- كما ألمحنا إلى ذلك في بحث الوضع- و عليه:
فهذا الأنس له مراتب بعضها أشدّ من بعض، بحيث تصل إلى مرتبة نسميها بالوضع التعيني، و من الواضح انّ هذا الأنس إذا وصل إلى هذه المرتبة من دون هجر المعنى الأول، فسوف يصبح اللفظ حينئذ مشتركا لفظيا بين المعنى الأعمّ و الحصة الخاصة، و حينئذ، إذا أطلق اللفظ بعد ذلك و تردّد بين المعنيين، يكون مجملا، كما هو الحال في كل مشترك إذا أطلق و لم يعيّن أحد معنييه بقرينة و نحوها، و أمّا إذا لم يصل إلى هذه المرتبة، و إنّما كان قريبا منها جدا، فحينئذ سوف تحصل مرتبة معتدّ بها من الأنس- و إن لم تصلح للوضع- فهي تصلح لأن يعتمد عليها المتكلّم في مقام بيان إرادة الحصة الخاصة، و لا يكون الاعتماد عليها حينئذ خارجا عن ذلك الظهور الحالي السياقي الذي هو الأساس في مقدمات الحكمة، و حينئذ، يمكن القول: إنّ إرادة المتكلّم للمقيّد مع هذه المرتبة من العلاقة بين اللفظ و الحصة لا يلزم منه خلف ذلك الظهور، لأنّ البيان الذي يجب على المتكلّم أن يوفّره، ليس بأقوى من ذلك، و حينئذ، يكون هذا الانصراف موجبا للخلل في مقدمات الحكمة، كما يوجب إجمال الكلام.