بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٣ - تنبيهات مقدمات الحكمة
الطبيعة بقيد الوجود الأول، ففي قولنا: «الخمر حرام»، نثبت الشمولية، و لكن حينما نقول: «الصلاة واجبة» و نحن نريد البدلية، فلا بدّ من إعمال عناية ثبوتية، و هي تقييد قولنا هذا، «بالوجود الأول»، فنقول: «الوجود الأول للصلاة واجب»، و حينئذ، من المعلوم أنّ الوجود الثاني لا يكون واجبا، باعتبار عدم انطباق العنوان الثابت له الحكم عليه، إذن، فالبدلي بلحاظ الأفراد الطوليّة يكون بتقييد الطبيعة بالوجود الأول، و هذا عناية زائدة ثبوتا، و بحاجة إلى قرينة خاصة إثباتا.
و هذا المسلك غير تام أيضا، لأنّ الإطلاق البدلي في مورده ليس بحاجة إلى عناية و مئونة زائدة ثبوتا، و لا إلى قرينة خاصة إثباتا.
و كأنّ هذه المسالك المتقابلة في الأجوبة على تلك الظاهرة، ناتجة عن عدم وضع اليد على فذلكة المطلب التي بها يتم تفسير إنتاج مقدمات الحكمة، للإطلاق الشمولي تارة، و للإطلاق البدلي تارة أخرى.
و حلّ السؤال، و تحقيق الحال، يتوقف على بيان مقدمة، حاصلها: هو انّ البدلية و الشمولية لها معنيان:
١- المعنى الأول: هو أن تكون الشمولية و البدليّة بحسب عالم الحكم، بمعنى انّ الإطلاق البدلي يراد به، انّ هناك حكما واحدا، و الشمولي يراد به انّ هناك أحكاما متعددة، و لكل واحد منها عصيان و امتثال مستقل، كما في قوله: «أكرم العالم»، و «لا تشرب الخمر»، و هذا هو محلّ الكلام.
٢- المعنى الثاني: هو أن تكونا- بعد الفراغ عن كون الحكم واحدا- بحسب عالم الامتثال و الخروج عن عهدة هذا الحكم الواحد، فيكون في قوله: «صلّ»، الحكم واحد. و كذلك في قوله «لا تشرب الخمر»- لو فرضنا انّ الحكم واحد- فمع هذا نقول:
إنّ امتثال الأمر بدلي، و امتثال النهي شمولي، لأنّ إيجاد الطبيعة يكون بفرد واحد في امتثال الأمر، بينما في امتثال النهي، لا يكون إعدام الطبيعة إلّا بانعدام جميع أفرادها، كما هو الصحيح، و كما ذهب إليه صاحب