بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٦ - تنبيهات مقدمات الحكمة
و في الحقيقة، فإنّ التكثر و الشمول إنّما يكون في العالم الثاني، لأنّه بعد أن نفرغ من ربط أمر كلّي بأمر كلّي، حينئذ، نأتي إلى العالم الثاني و نقول: إنّ هذا الأمر الكلّي أصبح محقّق الوجود و ضمن فعليّات عديدة، و بمقتضى التلازم بين العاملين، يكون المحمول فعليا لا محالة في تمام هذه الموارد، فيتكثّر الحكم حينئذ، إذن فتكثّر الحكم و تعدّده ليس أمرا مولويا ملحوظا للمولى، بل هو أمر عقلي انحلالي واقع في القضية في المرحلة الثانية، و عليه، يكون مقتضى الأصل في كل إطلاق للحكم بالنسبة إلى موضوعه، هو الشموليّة بلحاظ العالم الثاني، ما لم يبذل المولى عناية إضافية تمنع هذه الشمولية، كما يبذلها في قوله: «أكرم عالما»، حيث يأتي بتنوين التنكير لإثبات قيد الوحدة، حيث أخذه في الموضوع، و حينئذ، لا يمكن تكثّره في عالم الفعليّة، لأنّه لوحظ شيئا واحدا.
إذن، فالشموليّة ليست مربوطة بمقدمات الحكمة و لا بقرينة إضافية إليها، بل هي من شئون عالم فعليّة الحكم.
و من هذا البيان، يتّضح حقيقة الكلام الثاني، و هو انّ الأصل في الحكم بالنسبة إلى متعلقه انّ الإطلاق فيه بدلي ما لم تقم قرينة على الخلاف، و ذلك لأنّ الحكم بالنسبة إلى متعلقه لا يشكّل قضية حقيقية شرطية، فإنّ «إكرام العالم»، في قولنا: «أكرم العالم»، بالنسبة إلى العالم تكون قضية حقيقية، يعني إذا وجد عالم فأكرمه، لكن بالنسبة إلى نفس «الإكرام» ليست قضية حقيقية، فإنّ المتعلّق لا يؤخذ مقدّر الوجود كالموضوع كما عرفت، و إلّا يصبح معناه: إنّه إذا وجد إكرامه، فافعله، و هو كما ترى أشبه بتحصيل الحاصل، أو الدور. و نتيجة هذا انّ الحكم بالنسبة إلى متعلّقه لا يكون له عالم ثاني وراء عالم نفس الجعل، و عليه، فليس له تعدّد و كثرة- و هذا بخلاف نسبته إلى الموضوع- و ذلك، لأنّه بحسب عالم الجعل، لا نظر للمولى إلى الأفراد، بل له نظر واحد إلى الطبيعة في الموضوع و الكلّي في الحكم، و أمّا بحسب عالم المجعول فليس له عالم ثاني كي تحصل الكثرة و التعدّد، و من هنا يكون الأصل فيه وحدة الحكم، بمعنى انّ الدليل ليس له