بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٥٨ - نسخ الكتب السماوية السابقة لا يستلزم التناقض
تلك الأصول، انّ البداء يجعل العلم في مرتبة الخيال من النفس الفلكية، و هذه النفس تدرك الأسباب، و حيث أنّ الأسباب غير متناهية، فهي تدركها بشكل تدريجي، و حينئذ، قد تدرك أمورا معيّنة من الأسباب، فتحكم بمسبباتها قبل إتيان وقتها، و بعد إتيان وقتها، يتبيّن لها أنّ المسبّب كان مربوطا بشرط لم يحصل، فحينئذ، تتراجع النفس عمّا حكمت به أولا.
و هذا الكلام لا يمكن انطباقه على فكرة البداء، لأنّه لا ربط لوجود نفس فلكية من هذا القبيل بتعظيم اللّه تعالى، و غير ذلك من الخصائص المذكورة للبداء.
الحلّ الثالث: و هو يعترف بأنّ البداء يستلزم التغيير، لكن في المعلوم و ليس في العلم، و هذا جواب من ذهب إلى أنّ البداء نسخ في التكوينيات، و النسخ بداء في التشريعيات.
و هذا الحل يستخلص من كلمات الصدوق [١] و المرتضى [٢]، و قد وافقهم عليه بعض الفلاسفة [٣]، كما أنّه يصلح جوابا لشبهة اليهود الذي تخيّلوا لزوم التناقض من النسخ و البداء كما ستعرف، كما انّ هذا المعنى للحل المذكور هو المستفاد من بعض الآيات القرآنية [٤]، كما في قوله تعالى:
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)، فهي تدلّ على أنّه لكلّ أجل كتاب يناسبه.
[نسخ الكتب السماوية السابقة لا يستلزم التناقض]
إذن، فنسخ الكتاب السابق لمصلحة، لا يستلزم التناقض كما توهم اليهود، و ذلك لأنّ من شروط التناقض وحدة الزمان، مع أنّ الزمان هنا غير متّحد، لأنّ كل كتاب كان في زمان خاص، إذن، فالتبديل و التغيير إنّما هو في المعلوم لا في العلم.
[١] عقائد الصدوق المطبوع في ذيل شرح الباب الحادي عشر- ص ٧٣- توحدي الصدوق ص ١٦٧.
عدة الأصول- الطوسي- ج ٢- ص ٢٩- أوائل المقالات ص ٢١٤.
[٢] رسائل الشريف المرتضى- ج ١- ص ١١٦- ١١٧- ١١٨.
[٣] القبسات- الداماد- ص ٧٩- ٨٦.
[٤] البقرة ١٠٧- الرعد ٣٩- الرحمن ٢٩- الأعراف ٥٤- النور ٤٣- يونس ٣.