بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥١٠ - تشخيص مقدمات الحكمة
بالنحو الذي تقدم، و منه يندفع ما قد يتوهم من أنّ المقدمة الثانية ليست دخيلة في تتميم مقتضي الإطلاق و الدلالة عليه، و إنّما هي بيان لعدم المانع بعد فرض أنّ المقتضي محفوظ للإطلاق، إذ من الواضح أنّ بيان التقييد يمنع عن تأثير الإطلاق، فيتوهم أنّ المقدمة الثانية ليست دخيلة في اصل تكوين المقتضي للإطلاق، و إنّما هي من باب رفع المانع.
و قد عرفت بما أوضحناه بطلان هذا التوهم، حيث اتّضح أنّ ثبوت الإطلاق إنّما هو باعتباره مدلولا التزاميا للظهور الحالي السياقي- ظهور كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه بكلامه- و هذا الظهور يدلّ بالالتزام، و بقانون عكس النقيض على الإطلاق، و من الواضح أنّ الدلالة على اللازم فرع مجموع أمرين، أولهما: إثبات الملزوم، و ثانيهما: ثبوت الملازمة، فإذا ثبت الملزوم، و ثبتت الملازمة، وجدت الدلالة على اللازم.
و المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة، مثبتة للملزوم، لأنّ مرجعها إلى ظهور حال المتكلم في أنّه في مقام بيان تمام مرامه بشخص كلامه، و بهذا يثبت الملزوم.
ثم إنّه لو فرض أنّ المتكلم قد جاء بما يدلّ على التقييد، فلا يكون أيّ ملازمة حينئذ بين هذا الملزوم و بين الإطلاق، لأنّ إرادة المقيّد حينئذ لا تنافي هذا الظهور الحالي السياقي، لأنّ المقيّد حينئذ هو تمام المرام و قد بيّن بالكلام.
إذن، فكون المولى أنّه في مقام بيان تمام مرامه بكلامه لا ينافي إرادة المقيّد إذا أتى بلفظ يدلّ على القيد، و حينئذ يكون ذلك الظهور الحالي مستلزما للإطلاق إذا لم يأت بلفظ يدلّ على التقييد، لأنّه في حال عدم الإتيان بذلك يقال: لو كان مراده المقيّد للزم الخلف، إذن، فعدم نصب قرينة على التقييد يحقق الملازمة، و من دون هذا لا ملازمة بين ذلك الظهور الحالي و بين الإطلاق.
و قد قلنا سابقا: إنّ إثبات الملازمة فرع مجموع أمرين، و الذي يتولّى